عَلَى أَعْتَابْ السَّرَابْ
أَحْلامٌ تَتَنَاثَرُ تَنْظُرُ خُبْراً
كَأَنَّهُمْ رُفَقاً مُؤْنِسَاتٍ أَصْحَابُ
تَحْتَرِقُ بِسُرْعَةٍ فَتَتَصَاعَدُ دُخَنًا
لِأَنَّ أَصْلَهُمَا يَبِيسَاتُ أَعْشَابِ
تَتَرَمَّى كَكُثْبَانِ الرِّمَالِ بِالمَدَى
تَتَطَايَرُ حَبَّاتٍ فَتَتَوَالَى أَعْطَابُ
تَتَصَادَمُ وَتَتَدَافَعُ كَأَنَّهَا نَقَّرًا
تَتَلاطَمُ بَيْنَ مَوْجٍ شَاهِقٍ عُبَابُ
إنَّ الدُّنْيَا مُبْتَسِمَةٌ حَالِمَةْ
وَالزَّمَنُ قَاسٍ بِطَبْعِهِ قَلَّابُ
دَهْرٌ مُبْهَمٌ شَدِيدٌ بَائِسٌ
جَسُورٌ بِأَحْوَالِهِ غَلَّابُ
وَإِنَّ الرِّجَالَ لِلْهَمِّ كَاتِمَةْ
أَكْتَافُهَا تَحْمِلُ ثُقْلُ العَذَابُ
تَبْتَسِمُ حُرْقَةً وَتَشْدُو أَمَلاً
لَكِنَّ الأَمَلَ أَمَلُهُ كَذَّابُ
تَمْنَحُ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ صِدْقاً
وَتَصْنَعُ مِنْ حَيَائِهَا حِجَابُ
فَهُمُومٌ لِأَصْلَابِهِمْ كَاسِرَةٌ
وَحَيَاةٌ وَعِرَةٌ دَرْبُهَا سَرَابُ
يَتَلَأْلَأُ وَيَلْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ
عَطْشَةٌ لا يَرْوِيهَا إِلاَّ التُّرَابُ
حَالُهَا حَالُ مُكَابِرٍ عَنِيدٍ
كَمَنْ بِيَدِهِ قَبْضَةُ ضَبَابُ
فَهَلْ يَسْتَوِي مَنْ بَاتَ مُرْتَوِياً
وَمَنْ ذَاقَ فِي أَيَّامِهَا العُجَابُ
فَهَلْ تَرَى لِلضِّيقِ مَخْرَجَةً
وَفِي جَوْفِهَا كَمْ عُشَّاقٍ ذَابُ
وَهَلْ تَرَاهَا تَرْبُو زَاخِرَةً
وَكَمْ بِأَيَّامِهَا رُؤُوساً شَابُ
وَهَلْ تَرَاهَا تَرْنُو صَاغِرَةً
تَمْنَحُ عِلْماً وَتَهْدِي كِتَابُ
تَتَهَادَى وَتَغْدُو مَدْرَسَةً
تُعْطِي الدُّرُوسَ فَلَا تَهَابُ
مَرَّةً طَرْحٌ وَضَرْبٌ مُلْغَى
وَمَرَّةً جَمْعٌ مَعْلُومٌ بِلا حِسَابُ
مَرَّةً مِنْ غَيْثِهَا تُسْقَى
جِبَاهُ رِجَالٍ بِرَذَاذِهَا تُصَابُ
مَرَّةً جَمِيلَةٌ طَائِعَةٌ سَمْحَةٌ
وَمَرَّةً جَحُودٌ ظِلُّهَا عِتَابُ
الحَيَاةُ مُرَّةٌ فِي مَذَاقِهَا عُذُوبَةٌ
تُجَرَّعُ سُمّاً وَيَحْلُو الشَّرَابُ
تَدْنُو لَطِيفَةً وَتُمْسِي زَاجِرَةً
مِنْ كُلِّ بَابٍ تُرِيكَ خِطَابُ
تُرِيكَ تَصْمِيماً وَزَخْرَفَةً
تَسْقِيكَ ظَمَأً وَتُعَدِّدُ الأَسْبَابُ
بُنْيَانُهَا عَلَى أَرْضِ طِينٍ يُبْنَى
يَتَهَاوَى وَيَهْوَى إِنْ بَلَغَ النِّصَابُ
الحَيَاةُ أُكْرُومَةٌ وَمَزْحَةٌ
وَفِيهَا الرِّجَالُ تُهَانُ وَتُعَابُ
تُكَابِرُ وَتَكْتُمُ تَصْبِرُ وَتَشْقَى
تَرْفَعُ هِمَماً وَتَعْلُو السَّحَابُ
وَفِي الذُّلِّ تَرْفُضُ بَقَاءً لا تَرْضَى
تُسْقِطُ عَلَمَهُ وَإِنْ كَانَ أَدَابُ
تُهَذِّبُ مَنْ لِلْحِكْمَةِ بَيْتاً أَبْقَى
وَتَجْلِدُ مَنْ تَبَنَّى إِلَيْهَا الذَّهَابُ
إنَّ الدُّنْيَا مُبْتَسِمَةٌ حَالِمَةْ
وَالزَّمَنُ قَاسٍ بِطَبْعِهِ قَلَّابُ
الدُّنْيَا حَلَقَةٌ صَغِيرَةٌ تَسْعَى
تَفْتَحُ بَاباً وَتُغْلِقُ بَابُ
مِيزَانُهَا يُقَدَّرُ بِدَوْرَةِ سَاعَةٍ
تَجْنِي ثِمَاراً وَتَقْطِفُ صِعَابُ
الجَلْدُ مَنْ سَمَا بِهَا وَارْتَقَى
وَالضَّعِيفُ يَغْزُوهُ وَهْمُهَا أَسْرَابُ
فَاحْذَرْ سَقْطَةً عَلَى الأَعْقَابِ
وَاحْذَرْ عَبَقاً مِنْهَا إِلَيْكَ يَنْسَابُ
يُعْجِبُكَ رِيحُهُ وَتَشْتَمُّ رَائِحَةً
وَتَنْسَى أَنَّ سُقُوطَكَ عِقَابُ
وَاتْرُكِ اللَّوْمَ وَابْتَعِدْ مَسَافَةً
وَثَبِّتْ لَكَ عَلَى أَبْوَابِهَا أَعْتَابُ
سَايِرْ سُيُولَهَا تَنْجُو وَتُنْجَى
وَاعْرِفْ مِنْهَا الخَطَأَ وَالصَّوَابُ
وَاكْتَشِفْ أَنَّ الجُرُوحَ بِهَا تُشْفَى
وَإِنْ طَالَ النَّزْفُ وَالأَلَمُ وَالعَذَابُ
وَافْهَمْ أَنَّ يَمَّهَا لَهُ رَصِيفٌ يَبْقَى
قِفْ وَاعْلَمْ كَيْفَ تُعْطِي الجَوَابُ
وَصَفِّ بِغِرْبَالِ الضَّمِيرِ حِكْمَةً
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ فِيهَا أَغْرَابُ
تَسِيرُهُمْ جَمْعاً وَفَرْداً فَرْدَى
بَعْضُهُمْ شَتَاتٌ وَبَعْضٌ أَحْزَابُ
وَبَعْضُهُمْ رَاحِلٌ لا يَعْلَمُ أَجَلاً
لَكِنْ بِظَهْرِ غَيْبٍ تُنْسَجُ لَهُ أَثْوَابُ
وَآخَرُونَ يَبْتَغُونَ مِنْهَا مَفَازَةً
وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا نَاقِصَةٌ تُعَابُ
بُورَاسْ مَجْدُوب

