على أعتاب السراب .. للشاعر بو راس مجدوب

عَلَى أَعْتَابْ السَّرَابْ

​أَحْلامٌ تَتَنَاثَرُ تَنْظُرُ خُبْراً

كَأَنَّهُمْ رُفَقاً مُؤْنِسَاتٍ أَصْحَابُ

​تَحْتَرِقُ بِسُرْعَةٍ فَتَتَصَاعَدُ دُخَنًا

لِأَنَّ أَصْلَهُمَا يَبِيسَاتُ أَعْشَابِ

​تَتَرَمَّى كَكُثْبَانِ الرِّمَالِ بِالمَدَى

تَتَطَايَرُ حَبَّاتٍ فَتَتَوَالَى أَعْطَابُ

​تَتَصَادَمُ وَتَتَدَافَعُ كَأَنَّهَا نَقَّرًا

تَتَلاطَمُ بَيْنَ مَوْجٍ شَاهِقٍ عُبَابُ

​إنَّ الدُّنْيَا مُبْتَسِمَةٌ حَالِمَةْ

وَالزَّمَنُ قَاسٍ بِطَبْعِهِ قَلَّابُ

​دَهْرٌ مُبْهَمٌ شَدِيدٌ بَائِسٌ

جَسُورٌ بِأَحْوَالِهِ غَلَّابُ

​وَإِنَّ الرِّجَالَ لِلْهَمِّ كَاتِمَةْ

أَكْتَافُهَا تَحْمِلُ ثُقْلُ العَذَابُ

​تَبْتَسِمُ حُرْقَةً وَتَشْدُو أَمَلاً

لَكِنَّ الأَمَلَ أَمَلُهُ كَذَّابُ

​تَمْنَحُ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ صِدْقاً

وَتَصْنَعُ مِنْ حَيَائِهَا حِجَابُ

​فَهُمُومٌ لِأَصْلَابِهِمْ كَاسِرَةٌ

وَحَيَاةٌ وَعِرَةٌ دَرْبُهَا سَرَابُ

​يَتَلَأْلَأُ وَيَلْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ

عَطْشَةٌ لا يَرْوِيهَا إِلاَّ التُّرَابُ

​حَالُهَا حَالُ مُكَابِرٍ عَنِيدٍ

كَمَنْ بِيَدِهِ قَبْضَةُ ضَبَابُ

​فَهَلْ يَسْتَوِي مَنْ بَاتَ مُرْتَوِياً

وَمَنْ ذَاقَ فِي أَيَّامِهَا العُجَابُ

​فَهَلْ تَرَى لِلضِّيقِ مَخْرَجَةً

وَفِي جَوْفِهَا كَمْ عُشَّاقٍ ذَابُ

​وَهَلْ تَرَاهَا تَرْبُو زَاخِرَةً

وَكَمْ بِأَيَّامِهَا رُؤُوساً شَابُ

​وَهَلْ تَرَاهَا تَرْنُو صَاغِرَةً

تَمْنَحُ عِلْماً وَتَهْدِي كِتَابُ

​تَتَهَادَى وَتَغْدُو مَدْرَسَةً

تُعْطِي الدُّرُوسَ فَلَا تَهَابُ

​مَرَّةً طَرْحٌ وَضَرْبٌ مُلْغَى

وَمَرَّةً جَمْعٌ مَعْلُومٌ بِلا حِسَابُ

​مَرَّةً مِنْ غَيْثِهَا تُسْقَى

جِبَاهُ رِجَالٍ بِرَذَاذِهَا تُصَابُ

​مَرَّةً جَمِيلَةٌ طَائِعَةٌ سَمْحَةٌ

وَمَرَّةً جَحُودٌ ظِلُّهَا عِتَابُ

​الحَيَاةُ مُرَّةٌ فِي مَذَاقِهَا عُذُوبَةٌ

تُجَرَّعُ سُمّاً وَيَحْلُو الشَّرَابُ

​تَدْنُو لَطِيفَةً وَتُمْسِي زَاجِرَةً

مِنْ كُلِّ بَابٍ تُرِيكَ خِطَابُ

​تُرِيكَ تَصْمِيماً وَزَخْرَفَةً

تَسْقِيكَ ظَمَأً وَتُعَدِّدُ الأَسْبَابُ

​بُنْيَانُهَا عَلَى أَرْضِ طِينٍ يُبْنَى

يَتَهَاوَى وَيَهْوَى إِنْ بَلَغَ النِّصَابُ

​الحَيَاةُ أُكْرُومَةٌ وَمَزْحَةٌ

وَفِيهَا الرِّجَالُ تُهَانُ وَتُعَابُ

​تُكَابِرُ وَتَكْتُمُ تَصْبِرُ وَتَشْقَى

تَرْفَعُ هِمَماً وَتَعْلُو السَّحَابُ

​وَفِي الذُّلِّ تَرْفُضُ بَقَاءً لا تَرْضَى

تُسْقِطُ عَلَمَهُ وَإِنْ كَانَ أَدَابُ

​تُهَذِّبُ مَنْ لِلْحِكْمَةِ بَيْتاً أَبْقَى

وَتَجْلِدُ مَنْ تَبَنَّى إِلَيْهَا الذَّهَابُ

​إنَّ الدُّنْيَا مُبْتَسِمَةٌ حَالِمَةْ

وَالزَّمَنُ قَاسٍ بِطَبْعِهِ قَلَّابُ

​الدُّنْيَا حَلَقَةٌ صَغِيرَةٌ تَسْعَى

تَفْتَحُ بَاباً وَتُغْلِقُ بَابُ

​مِيزَانُهَا يُقَدَّرُ بِدَوْرَةِ سَاعَةٍ

تَجْنِي ثِمَاراً وَتَقْطِفُ صِعَابُ

​الجَلْدُ مَنْ سَمَا بِهَا وَارْتَقَى

وَالضَّعِيفُ يَغْزُوهُ وَهْمُهَا أَسْرَابُ

​فَاحْذَرْ سَقْطَةً عَلَى الأَعْقَابِ

وَاحْذَرْ عَبَقاً مِنْهَا إِلَيْكَ يَنْسَابُ

​يُعْجِبُكَ رِيحُهُ وَتَشْتَمُّ رَائِحَةً

وَتَنْسَى أَنَّ سُقُوطَكَ عِقَابُ

​وَاتْرُكِ اللَّوْمَ وَابْتَعِدْ مَسَافَةً

وَثَبِّتْ لَكَ عَلَى أَبْوَابِهَا أَعْتَابُ

​سَايِرْ سُيُولَهَا تَنْجُو وَتُنْجَى

وَاعْرِفْ مِنْهَا الخَطَأَ وَالصَّوَابُ

​وَاكْتَشِفْ أَنَّ الجُرُوحَ بِهَا تُشْفَى

وَإِنْ طَالَ النَّزْفُ وَالأَلَمُ وَالعَذَابُ

​وَافْهَمْ أَنَّ يَمَّهَا لَهُ رَصِيفٌ يَبْقَى

قِفْ وَاعْلَمْ كَيْفَ تُعْطِي الجَوَابُ

​وَصَفِّ بِغِرْبَالِ الضَّمِيرِ حِكْمَةً

وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ فِيهَا أَغْرَابُ

​تَسِيرُهُمْ جَمْعاً وَفَرْداً فَرْدَى

بَعْضُهُمْ شَتَاتٌ وَبَعْضٌ أَحْزَابُ

​وَبَعْضُهُمْ رَاحِلٌ لا يَعْلَمُ أَجَلاً

لَكِنْ بِظَهْرِ غَيْبٍ تُنْسَجُ لَهُ أَثْوَابُ

​وَآخَرُونَ يَبْتَغُونَ مِنْهَا مَفَازَةً

وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا نَاقِصَةٌ تُعَابُ

​بُورَاسْ مَجْدُوب

أضف تعليق