قراءة نقدية لثصيدة الشاعر عبد الفتاح غريب .. بقلم الشاعرة د. شهناز العبادي


#تحليل_قصيدةدكتورعبدالفتاح_غريب

قراءة نقدية في قصيدة وهم النداء

بقلم الشاعر عبدالفتاح غريب

#اولا لمحة عن كل بيت

1 ـ يا من تنادي في ظلمات الليل فجرا

يفتتح الشاعر نصه بصورة انسانية موحية تجمع بين الظلمة والفجر فالنداء هنا ليس مجرد طلب للنور بل هو بحث عن الخلاص والأمل بعد طول معاناة ويمنح البيت القصيدة منذ بدايتها حالة من الترقب والإنتظار

2 ـ تعلوك الآهات وتمضي خطاك على الأشواك صبرا

ينقل الشاعر معاناته من مستوى النداء إلى مستوى التجربة فطريقه مليء بالأشواك والألم ومع ذلك يظل الصبر رفيقا لخطواته والصورة هنا واضحة في تجسيد الحياة طريقا شائكا يمشيه الإنسان متحملا ادأوجاعه

3 ـ تميل بك أمواج الحياة ولم تنعم يوما بهدوء بحرا

صورة جميلة تقوم على تشبيه الحياة بالبحر المتلاطم فالإنسان هنا قارب تتقاذفه الأمواج دون أن يصل ادإلى شاطئ السكينة وفي هذا البيت تتضح حالة عدم الإستقرار النفسي التي يعيشها الشاعر

4 ـ وزمان فاض بالخذلان فوق سنوات العمر قهرا

ينتقل الشاعر من معاناة اللحظة إلى تراكم الزمن فالخذلان لم يكن حادثة عابرة بل أصبح حملا ثقيلا امتد فوق سنوات العمر وفي لفظة فاض دلالة على كثرة الخذلان وتجاوزه حدود الإحتمال

5 ـ محياك ليل بسماء بخلت بالعطاء وما لها حتى هلال قمرا

من أكثر الصور قتامة في النص حيث يتحول الوجه الى ليل والسماء الى رمز للأمل الغائب ثم يأتي الهلال والقمر بوصفهما علامات للنور والجمال لكن السماء البخيلة حرمت الشاعر حتى من بصيصهما

6 ـ وأيام بلا أحلام تفيض بالأوهام فوق جنبات عمرا

هنا مفارقة شعرية واضحة بين الأحلام والأوهام فالأنسان حين يفقد الحلم الحقيقي قد يصبح اسيرا للوهم ويبدو العمر في هذا البيت مكانا تتراكم فوق جنباته الخيبات

7 ـ اردت السنين لك الوتين ولم تشيد له لحدا ولا قبرا

في هذا البيت حضور واضح لفكرة الحب أو الذكرى التي اراد الشاعر لها البقاء في الوتين وهو موضع قريب من القلب والشرايين ورغم ذلك لم تنته هذه الذكرى الى قبر أو موت بل بقيت حية في داخله

8 ـ وما زلت تصبو نحو ذكرى دامت في سماء العمر بدرا

يستعيد الشاعر هنا صورة الضوء بعد سلسلة من صور العتمة فالذكرى تتحول إلى بدر في سماء العمر وهذا التحول يمنح النص نافذة من الحنين والجمال وسط مساحة واسعة من الألم

9 ـ حاضر جاف وماض ذبلت بالحنين وروده وما له عطرا

بيت يقوم على المقابلة بين حاضر جاف وماض ذبلت وروده وهي صورة تكشف أن الشاعر لا يجد في الحاضر ما يرويه ولا يستطيع في الوقت نفسه إستعادة جمال الماضي وقد ذبلت زهوره بفعل الحنين

10 ـ مني إليك يا من تصون رماد من نيران الحب سرا

هنا تظهر صورة رماد الحب بوصفه بقايا نار قديمة وهذا الرماد يحمل سرا داخليا لا يريد صاحبه كشفه فالحب لم يعد نارا مشتعلة لكنه لم يتحول ا

أيضا الى عدم كامل

11 ـ كفاك بالله للانين على مر السنين ذكرا

يتحول الخطاب إلى نبرة نصح ومواجهة مع الذات وكأن الشاعر يقول إن استمرار استحضار الألم لا يغير الماضي وإن كثرة تذكر الأنين قد تجعل الجرح أكثر حضورا

12 ـ فالقلب شاب من نبض العتاب ورضي بالحرمان قدرا

خاتمة قوية في معناها النفسي فالقلب لم يهرم بسبب العمر بل بسبب العتاب والحرمان وفي عبارة شاب من نبض العتاب مفارقة جميلة تجعل العتاب نفسه سببا في استنزاف القلب أما الرضا بالحرمان قدرا فيمنح النهاية بعدا تأمليا واستسلاما لما لا يمكن تغييره

#الفكرةالشاملة

قصيدة وهم النداء نص وجداني حزين يقوم على تجربة إنسانية عنوانها الإنتظار والخذلان والحنين إلى زمن كان أكثر اشراقا

فالنداء في العنوان يبدو وكأنه نداء للأمل لكنه يتحول تدريجيا إلى وهم لأن الفجر الذي يناديه الشاعر لا يأتي والبحر لا يهدأ والسماء لا تمنح القمر والحاضر يظل جافا

#وهنا تكمن قيمة العنوان فالشاعر لا ينادي شخصا فقط بل ينادي حالة مفقودة من الطمأنينة والحب والأمل

والقصيدة تتحرك في مسار واضح

الظلمة ثم الأشواك ثم امواج الحياة ثم الخذلان ثم غياب النور ثم الأوهام ثم الذكرى ثم الرماد ثم العتاب ثم الحرمان

وهذا المسار يجعل القصيدة اقرب إلى رحلة داخل النفس من كونها مجرد شكوى عاطفية

#الموسيقى_الشعرية

الموسيقى الداخلية واضحة من خلال التكرار الصوتي والقوافي المتقاربة وخاصة تكرار النهايات ذات الالف والراء في فجرا وصبرا وبحرا وقهرا وقمرا وعمرا وعطرا وسرا وذكرا وقدرا

كما ان تكرار مفردات مثل الليل والاشواك والامواج والسماء والقمر والاحلام والذكرى والورود والرماد والنيران والحرمان يصنع ايقاعا نفسيا متصاعدا

لكن من الناحية #العروضية تبدو الأبيات بحاجة إلى مراجعة دقيقة في الوزن إذا كان المقصود بها بناء قصيدة عمودية موزونة فهناك تفاوت في طول الجمل الشعرية وبعض المواضع تحتاج إلى ضبط لغوي وعروضي حتى تستقيم الموسيقى الخارجية بصورة أكثر احكاما

#الصورالشعرية

يمتلك النص ثراء واضحا في الصور الشعرية ومن اجملها

تمضي خطاك على الاشواك

امواج الحياة

محياك ليل

سماء بخلت بالعطاء

ذكرى دامت في سماء العمر بدرا

ذبلت بالحنين وروده

رماد من نيران الحب

القلب شاب من نبض العتاب

وتتميز هذه الصور بانها تنقل المعاني المجردة الى اشياء محسوسة فالخذلان يصبح فيضا والحياة تصبح بحرا والذكرى تصبح بدرا والحب يتحول الى نار والالم يتحول الى اشواك

#المعجم_الشعري

المعجم في القصيدة وجداني حزين يغلب عليه معجم الطبيعة والالم

معجم العتمة الليل والظلمات

معجم الطبيعة الفجر والبحر والأمواج والسماء والهلال والقمر والورود

معجم الألم الأهات والأشواك والخذلان والقهر والاوهام والحرمان والعتاب

معجم الحب والحنين الوتين والذكرى والبدر والعطر والحب والنيران والرماد

وهذا التنوع المعجمي ساعد الشاعر على بناء عالم متكامل تتداخل فيه الطبيعة مع الحالة النفسية

#احساس_الشاعر

الشعور المسيطر هو الحزن الممزوج بالحنين والخذلان

لكن النص لا يقف عند الحزن وحده فهناك صبر في البداية وهناك تعلق بالذكرى وهناك محاولة للوصول إلى الفجر ثم يأتي في النهاية نوع من الإستسلام حين يرضى القلب بالحرمان قدرا

ومن هنا يمكن القول أن الشاعر يعيش صراعا بين قلب يريد ان يستعيد ما فقد وعقل يحاول اقناعه بان الماضي اصبح قدرا لا يمكن تغييره

#القيمةالفنية

اجمل ما في النص قدرته على تحويل الألم الداخلي إلى مشاهد حسية متتابعة فالقصيدة لا تقول فقط أن الشاعر حزين بل تجعل القارئ يرى الليل ويسمع الامواج ويمشي فوق الاشواك ويرى السماء الخالية من القمر ويشم ورد الماضي الذابل ثم يقف أمام رماد الحب

وهذه قدرة جيدة على التشخيص والتصوير

ويحتاج النص فقط إلى مزيد من الصقل في بعض التراكيب والألفاظ ومراجعة الوزن إذا كان الهدف الوصول إلى قصيدة عمودية مكتملة من الناحية العروضية

#التقييم_العام

الفكرة والمعنى 9 من 10

الصور الشعرية 9 من 10

المعجم الشعري 8.5 من 10

العاطفة والصدق الوجداني 9.5 من 10

الموسيقى الداخلية 8.5 من 10

اللغة والتراكيب 8 من 10

الترابط والوحدة الموضوعية 9 من 10

الموسيقى الخارجية والوزن 7.5 من 10

النتيجة النهائية

88 من 100

قصيدة وجدانية جميلة وصادقة تقوم على ثنائية العتمة والنور والخذلان والأمل والذكرى والنسيان وتمتلك صورا شعرية موفقة وإحساسا واضحا بتجربة الألم والحنين

ويبقى عنوان وهم النداء مفتاحا ذكيا للنص كله لأن الشاعر ظل ينادي الفجر بينما كانت كل الصور من حوله تقول إن الفجر ما زال بعيدا وربما كان النداء نفسه هو آخر ما تبقى له من أمل

_____________

#القصيدة

وهم النداء

يا من تنادي في ظلمات الليل فجرٱ

تعلوك الآهات وتمضي خطاك على الأشواك صبرٱ

تميل بك أمواج الحياة ولم تنعم يومٱ بهدؤ بحرٱ

وزمان فاض بالخذلان فوق سنوات العمر قهرٱ

محياك ليل بسماء بخلت بالعطاء وما لها حتى هلال قمرٱ

وأيام بلا أحلام تفيض بالأوهام فوق جنبات عمرٱ

أردت السنين لك الوتين ولم تشيد له لحدٱ ولا قبرٱ

وما زلت تصبو نحو ذكرى دامت في سماء العمر بدرا

حاضر جاف وماض ذبلت بالحنين وروده وما له عطرٱ

مني إليك يا من تصون رماد من نيران الحب سرٱ

كفاك بالله للأنين على مر السنين ذكرٱ

فالقلب شاب من نبض العتاب ورضي بالحرمان قدرٱ

#دكتورعبدالفتاح_غريب

خالص تحياتي وتقديري شاعرنا القدير المحترم

#قراءةنقديةبقلم

#دكتورشهنازالعبادي

أضف تعليق