قصة قصيرة الطائر الحزين
======= =======
كان يستقر في منتصف قريتنا، فوق أقدم غصن في شجرة الجوز العتيقة، طائر صغير كحليّ الريش، أطلق عليه الأهالي لقب “الطائر الحزين”. لم يكن يغرد كبقية الطيور، بل كان ينتظر جلوسي تحت ظلها في هدوء الأصيل، ليميل برأسه نحوي ويتحدث بلغة عربية عذبة تقطر بلاغةً وشجناً.
في أوقات ظهيرة الصيف، حين تصمت الحقول، كان ينظر إلى الأفق ويقول بصوتٍ أرق من نسيم الفجر: “يا بني، ليس كل صمتٍ جفاء، فبعض السكوتِ مثل الحزنِ المتراكم، إن نطق فاض، وإن كتم أضنى!”*، فتقشعر لها نفسي إجلالاً. وفي خريف القرى، حين تسقط الأوراق الذهبية، يتأمل الأرض الراقدة تحته ليبثني قوله: *”تتراقص الأوراق في سقوطها ظناً منها أنها تطير، وهكذا نحن، قد نتوهم العلو في لحظات الانهيار.”*
أتساءل دوماً عن سر شجنه الذي يفيض نطقاً وبديعاً، وحين سألته يوماً عن سبب حزنه الدفين، حرك جناحيه ببطء، وقال بصوت يفيض أساً وفصاحة: *”إنما حزني لأنني ملكتُ لسان البلاغة في زمنٍ قلّ فيه السامعون، ورزقتُ رقة الشعور بين قلوبٍ قست كالحجارة أو أشد قسوة.”*
ظل هذا الطائر لي معلماً وأنيساً، يعلمني أن الحزن حين يتجمل بالبلاغة يصبح فناً، وأن أجمل العبارات هي تلك التي تخرج من قلبٍ عرف ألم الحياة، فاستحال شجوه نغماً يُداوي أرواح العابرين.
تمت
احمد عيسي

