أنا شاعرُ الأضداد
ملحمةٌ في الفخر والحكمة والعشق والوطن وصراع الأضداد والخلود بالشعر
بقلم: عبد الحفيظ كنعان
أولًا: الفخر — 10 أبيات
أنا شاعرُ الأضدادِ، والمجدُ شاهدي
إذا سألوا عنّي، أجبتُ: أنا أنا
نشأتُ على صخرِ المكارمِ شامخًا
ولم أتّخذْ غيرَ المكارمِ لي سَكنا
أروضُ صعابَ الحرفِ حتى إذا انثنتْ
أقامتْ على أبوابِ مجدي لنا بُنى
ولي في ميدانِ القريضِ صوارمٌ
إذا جُرِّدتْ هزّتْ من العجزِ ما وَهَنا
وما الشعرُ عندي زخرفٌ في مجالسٍ
ولكنهُ عهدٌ على الحقِّ قد بُنيَا
إذا قلتُ فخرًا، لم أبعْهُ بزخرفٍ
فإنَّ الفتى يُعرفْ بما صنعَتْ يدا
ولي هِمّةٌ لو قيسَتِ الأرضُ دونها
لضاقتْ، ولو طالتْ بها السُّحبُ ما دنا
أنا ابنُ المعاني، لا أعيشُ ذليلَها
ولا أرتضي للقولِ أن يَستعبِدَنا
إذا هبَّتِ الريحُ العواصفُ حولنا
وقفتُ، وكان الصخرُ خلفي لنا سَنَدَا
فإن كان للمجدِ الطريقُ صعوبةً
فإنّي خُلقتُ لكي أشقَّ لهُ سُبُلا
ثانيًا: الحكمة — 10 أبيات
عرفتُ الليالي وهي تُخفي دروسَها
ومن لم يذقْ مرَّ الحياةِ، فما وعى
رأيتُ صديقَ الأمسِ عندَ شدائدي
فعرفتُ من يبقى، ومن كان قد مضى
وما كلُّ من أبدى المودّةَ صادقٌ
ولا كلُّ من صافحتَهُ النفسُ قد صفا
فكم ضاحكٍ خلفَ ابتسامتهِ أسىً
وكم ساكتٍ في صمتهِ كانَ قد وعى
تعلمتُ أنَّ المرءَ يُعرفُ فعلُهُ
وأنَّ الكلامَ الكثيرَ ليسَ لهُ غِنى
وأنَّ الذي يطلبُ العلياءَ هينٌ
عليهِ طريقُ المجدِ إن صدقَ السعيَا
ومن رامَ عزًّا دون بذلٍ ومحنةٍ
فقد طلبَ الشمسَ من وراءِ الدُّجى
إذا ضاقَ صدرُ المرءِ فليصبرْ، فإنها
شدائدُ تمضي، ثم يُفتحُ ما انغلقْ
ولا تحسبنَّ الكسرَ آخرَ رحلتي
فكم من شظايا الروحِ صارتْ لنا سَنا
فما المجدُ إلا أن تقومَ من الأسى
وتصنعَ من جرحِ الهزيمةِ ما بَقا
ثالثًا: العشق — 10 أبيات
وإن كنتُ في ميدانِ عزمي مقاتلًا
ففي الحبِّ قلبي فارسٌ قد تَحنَّنا
رأيتُ التي لمّا بدتْ في ملامحي
توارى عن عينيَّ ما كانَ من عَنا
كأنَّ ابتسامتها إذا مرَّ طيفُها
على القلبِ، أحيى في رمادي لنا سَنا
لها في عيوني منزلٌ لا أُبدّلهُ
وفي مهجتي عرشٌ أقيمَ لهُ بَنا
إذا أقبلتْ، صارَ المساءُ قصيدةً
وصارَ ضياءُ الفجرِ من وجهها دَنا
وإن أدبرتْ، ضاقَ الفضاءُ بأسرهِ
كأنَّ رحابَ الأرضِ بعدَها فَنا
أحبُّ، ولكنْ لا أذلُّ كرامتي
فإنَّ هوى الأحرارِ عزٌّ لنا وغِنى
ولا أستجدي الوصلَ منها، وإنّما
أمدُّ لها قلبي، فإن شاءتْ دَنا
فيا من لها بينَ الضلوعِ مملكةٌ
أما آنَ للروحِ التي تهوى أن تَرى؟
تعالي، فإنَّ العمرَ أقصرُ من هوى
يُؤجَّلُ، والأيامُ تمضي بنا سُرُعا
رابعًا: الوطن — 10 أبيات
بلادي، وإن جارَ الزمانُ، عزيزةٌ
وفي كلِّ شبرٍ من ثراكِ لنا دَما
أحنُّ إلى الشامِ التي في جوانحي
وأحملُ تاريخَ الجدودِ إذا نَما
لها في دمي صوتُ المآذنِ والندى
وفيها عبيرُ الياسمينِ إذا عَلا
وإن سألوا عن موطني قلتُ: موطني
بلادٌ بها التاريخُ ألقى لنا صدى
بلادٌ إذا نادى ترابُها أهلَها
رأيتَ رجالَ العزمِ تمضي إلى العُلا
وما الوطنُ المرسومُ فوقَ خرائطٍ
ولكنهُ قلبٌ إذا نُوديَ انتمى
فإن مسَّهُ ظلمٌ، تأججَ في دمي
لهُ من لهيبِ العزمِ نارٌ لنا سَنا
وإن أشرقَتْ شمسُ السلامِ بأرضهِ
سقيتُ ثراهُ من محبّتي ما نما
سأبقى لهُ ما دامَ في الصدرِ نبضةٌ
وأحملُهُ شعرًا إذا غابَ من رَأى
فيا شامُ، يا أمَّ الحضاراتِ إنني
أراكِ وإن طالَ الطريقُ لنا مُنى
خامسًا: صراع الأضداد — 10 أبيات
أنا شاعرُ الأضدادِ؛ في القلبِ جمرةٌ
وبينَ ضلوعي للسلامِ لنا نَدى
أنا صخرةٌ في وجهِ ريحِ عواصفٍ
ولكنني عندَ الحبيبِ لنا نَدى
أنا الصمتُ حينَ يكونُ صمتي حكمةً
وأنا الصوتُ إن صارَ السكوتُ لنا أذى
أنا السيفُ إن هُدِّدْتُ، والوردُ إن أتى
حبيبٌ، فكنْ في جانبي آمِنَ المدى
أرى الموتَ بابًا، والحياةَ قصيدةً
وأجمعُ بينَ النقيضينِ في دمي سَنا
أحزنُ، لكنّي أقاومُ حزني
وأبكي، ولكنْ لا أبيعُ لنا الرضا
أحنُّ، ولكنْ لا أمدُّ يدَ المنى
لمن باعَ عهدًا واستباحَ لنا الوفا
أثورُ إذا مُسَّ الكرامُ، وإنني
ألينُ إذا ما لامسَ الحبُّ الحشا
ففي كلِّ ضدٍّ من طباعي حقيقةٌ
وفي كلِّ نارٍ أستخرجُ الندى
وهذي حياتي: بينَ نارٍ ووردةٍ
أشقُّ طريقَ المجدِ وحدي إلى العُلا
سادسًا: الخلود بالشعر — 10 أبيات
وما الموتُ عندي أن أغيبَ عن الورى
ولكنْ بأن يمضي الكلامُ ولا بَقا
سأتركُ في صدرِ القصائدِ نبضةً
تُردّدُها الأجيالُ إن غابَ من بَدا
إذا غابَ جسمي، فالقوافي شاهدي
وإن غابَ صوتي، كانَ شعري لنا صدى
كتبتُ، وما أبغيتُ مدحًا من الورى
ولكنْ أردتُ الحقَّ يبقى لهُ نَدا
فإن سألَ التاريخُ يومًا عن فتىً
أجابتهُ أبياتي: هنا المجدُ قد بَدا
هنا شاعرٌ لم ينحنِ لرياحِهِ
ولم يجعلِ الأقلامَ سوقًا لمن اشترى
هنا عاشَ حرًّا، ثم خلّدَ نفسهُ
بما خطَّهُ في صفحةِ الدهرِ من بَنا
أنا شاعرُ الأضدادِ، يكفينيَ أنني
مزجتُ جراحَ القلبِ بالمجدِ والوفا
سأبقى إذا ماتَ الذين أحبّهم
كأنّي على أفواهِهم كنتُ ما بَقا
فيا دهرُ، إن شئتَ الفناءَ لجسدي
فخذْهُ، ودعْ لي في القصائدِ ما بَقا
أنا شاعرُ الأضدادِ، منذُ يعربٍ
حملتُ لواءَ الحرفِ، والحرفُ لا يفنى
بقلمي / م-عبد الحفيظ أبو تمام

