تأملات وآهات
جلست كعادتها في غرفتها فوق كرسيها الخشبي الأخرس الذي تآكل مع مرور الزمن وذابت عليه الأيام التي مرت بها لم يكن لها في هذا العالم صديق صادق سوى ذلك الكرسي ومرآتها القديمة التي تحمل في بلورها آلاف الخدوش وتختزن في عمقها آلاف الآهات.
كانت تتأمل هذه الحياة التي علقت في ذاكرتها بحلوها ومرها ببهجتها وآلامها وبتلك الآمال التي بحثت عنها منذ نعومة أظفارها تمر الأيام وما زال الأمل يراودها تنتظر ذلك الفارس الذي سيأتي على فرسه الأبيض ليخطفها من بين غياهب الوجود ويجعلها سيدة قلبه وحنانه ما زالت ترقب شرفات التلال على مد النظر علها تجد من يعيد إليها ابتسامتها التي تظهر ثناياها وتسمع العالم بأسره صدى ضحكتها
تارة تنظر إلى شعرها المتناثر على كتفيها وتارة إلى تجاعيد خديها التي كادت أن تملأ وجهها، وتارة أخرى تنظر إلى عينيها التي تفيض دمعًا وسهدًا وأخيرا همست لنفسها / لا بد لي أن أكتب
أمسكت قلم أحمر الشفاه الخاص بها وبدأت تخط بنزف لونها القاني على زجاج المرآة:
مَاذَا أَخُطُّ عَلَى الزُّجَاجِ وَأَرْتَجِي
هَلْ لِلْحُرُوفِ إِذَا بَكَيْتُ بَيَانُ
إِنْ قُلْتُ أَهْوَاكَ اسْتَفَاقَ تَوَجُّعِي
وَبَكَتْ عَلَى أَطْلَالِيَ الأَزْمَانُ
ماذا أكتب وماذا أقول إن قلت أحبك أحبك/ أحبك/ آلاف المرات فهل تسمعني وإذا سمعتني عبر همسات عصافير الحب فهل تعرف مكاني
توقفت فجأة وضحكت ضحكة مجروحة ثم وضعت رأسها على أطراف مرآتها والدموع تقطر من عينيها دمعة تلو الأخرى كادت بحرقتها أن تحرق خديها الناعمين مسحت دموعها وقالت بإنكار أمجنونة أنا لمن أكتب ومن سيعرف بأنني أشتاق إليه
ثم عادت لتكتب بقلب يرتجف
أَكْتُبْكَ بِالدَّمْعِ الَّذِي فَوْقَ الخُدُودِ جَرَى وَبِشَوْقِ قَلْبٍ لَا يَنَامُ عَلَى الثَّرَى
أَكْتُبْكَ كَي أُعْلِنَ لِلْوَرَى أَنِّي البَائِسَةْ
وَبِأَنَّ طَيْفَكَ فِي سَمَاءِ الرُّوحِ قَدْ تَرَى
أكتبك بدمعي وأشواقي أكتبك وأنا متشوقة إلى أحضانك أكتبك لأعلنك أمام البشر بأنك حبيبي الغائب سأكتب كل حرف من اسمك على أوراق الشجر وبعدد حبات المطر
قامت تمشي رويدًا رويدًا وخطواتها ثقيلة كأنها تجر سلاسل الخيبة وقفت عند نافذة الغرفة رفعت الستارة عادتها ونظرت على امتداد الأفق علها ترى بصيص أمل بقدومه لكنها لم ترَ سوى صدى نظراتها يعود إليها خائبًا ليزيد الألم اشتعالًا في صدرها
فناجت طيفه البعيد قائلة
يَا غَائِبًا وَالحُبُّ فِيكَ عِبَادَةٌ
أَمَا عَلِمْتَ بِأَنَّنِي أَشْتَاقُ
سَأُحِبُّ قَلْبَكَ رَغْمَ كُلِّ مَوَاجِعِي
مَا أَمْطَرَتْ فِي دُنْيَتِي الأَعْمَاقُ
يا من أنت هناك ألا تعلم بأنني سأحبك أكثر من حبات المطر سأجعل منك ملكًا أطأطئ رأسي أمامه كل صباح ومساء وأجعلك تتربع منفردًا على عرش قلبي
ألا يكفيك هذا تعال أيها الفارس تعال واجعل من ذراعيّ لك وسادة، واجعل من صدري لك سريرًا واجعل من أنفاسي لك عطرًا فريدًا. آه.. آه.. آه.. نعم سأنتظر حبك لياتي فهل ستأتي حقًا
أخبرني فأنا في غيبوبة انتظارك لأجعل منك حكاية وأصنع منك رواية ولأستبدل مرآتي الحزينة ببراويز من الزهور والورود وأجعل من الريحان والياسمين عطرًا لقلبك ليرتوي منه قلبي الحزين فهل ستأتي
تَعَالَ لِنَمْحُوَ الحُزْنَ مِنْ مِرْآتِنَا
وَنُصِيرَ أَطْيَارًا بِغَيْرِ شُجُونِ
فَالقَلْبُ جَفَّ مِنَ انْتِظَارِكَ يَا مُنَى
وَالعُمْرُ يَمْضِي كَالخَيَالِ المَجْنُونِ
فجأة، قامت مفزوعة كأنما استيقظت على واقع مرير يصفع أحلامها أمسكت بكل آلامها وآمالها ورمت بكل قهرها وسنين حرمانها على المرآة فتكَسّرت وتحطّمت وتفتتت في أنحاء الغرفة شظايا أحلامها الضائعة.
بقلم: أبو بكر البطوش

