خاطرة ادبية بعنوان
كلنا راحلون
نمرُّ على هذه الدنيا عابرين، كأننا ركابٌ في قطارٍ لا يتوقّف، لكلٍّ منا محطّته التي ينزل فيها، ويترك خلفه ما جمعه من حقائب الذكريات، وأثقال الأماني.
نحن ضيوفٌ في فندقٍ واسعٍ، غرفه الليل والنهار، ونوافذه النجوم والغيوم، وممراته العمر الممتد بين ميلادٍ ورحيل. كم تعلّقنا بجدرانه، وكم ظننّا أن الإقامة تطول، حتى إذا ما آن الرحيل، حملنا قلوبًا ترتجف بين كفيّ القدر.
كلنا راحلون، لكن الراحلين ليسوا سواءً. فمنهم من يترك خلفه أثرًا كطيفِ عطرٍ في غرفةٍ مواربة، ومنهم من يمرُّ كالصدى في وادٍ خالٍ. ومنهم من يكتب اسمه على قلوب الأحباب، لا على حجارة القبور.
وما أجمل أن ترحل وأنت تعلم أنك زرعتَ في طريقك زهرةً، أو أشعلتَ في ظلمةٍ قنديلاً، أو مسحتَ دمعةً عن خدِّ طفلٍ. فهذا هو البقاء الحقيقي، أن تظلّ ذكراك نافذةً مفتوحةً على الضوء، حتى بعد أن تغلق عيناك.
نحن كلنا راحلون، لكن الرحيلَ ليس نهايةً، بل هو بابٌ يُفتح على ما لا نرى، وسفرٌ إلى أفقٍ لا تحدّه المسافات. وما الحياةُ إلا لحظةٌ من ضوء، تُشرق ثم تغيب، تاركةً في القلب لهيبَها، وفي الروح بصمتَها.
فلنَرحلْ إذن، وقد ملأنا الوجودَ حبًّا، وختمنا أيامَنا بسجدةِ شكرٍ، وتركنا خلفنا قصيدةً لم تُكتبْ بعد، تُهمسُ بها الريحُ في غيابنا، وتتنفسها الذاكرةُ في خلودها.
كلنا راحلون… لكن الباقي هو ما نزرعه في قلوب الآخرين.
أ/محمد شوعي تكة المساوى

