“سِيمفونية الجسّاس الأخير”
حين هزم فلاحٌ بسيطٌ العلم… ثم هزمه طفلٌ بكلمة واحدة..
……………………………………………………………..
.
.
.
لو حمل دوستويفسكي هذه الحكاية، لما جعل بطلها أميرًا ولا قاتلًا، بل رجلًا ريفيًا يقف في زريبة ماشية، لأن النفس البشرية لا تُختبر في قصور القيصر وحدها، بل في تلك اللحظة التي يختلط فيها اليقين بالرزق، ويصبح مصير أسرة كاملة معلقًا على حركة أصابع رجلٍ لا يقرأ ولا يكتب، لكنه يقرأ ما تعجز عنه الكتب.
ولو التقطها بلزاك، لأقام لها مدينة كاملة، يملؤها الفلاحون والباعة وصياح الديوك، ثم يجعل أكثر رجالها نفوذًا رجلًا لا يحمل لقبًا ولا شهادة، وإنما يحمل سمعةً تتناقلها الألسنة كما تتناقل الريح رائحة الخبز الساخن.
ولو كتبها ديكنز، لزرع الضحكة في قلب الفقر، حتى يكتشف القارئ متأخرًا أن أكثر ما أضحكه كان في الحقيقة أكثر ما أبكاه.
أما الأدب العربي، فقد عرف منذ الجاحظ، ومرورًا بيوسف إدريس، أن القرية ليست مكانًا على الخريطة، بل كونٌ كامل، وأن الإنسان البسيط يستطيع، بجملة عابرة، أن يهزم آلاف الصفحات من الفلسفة.
ومن قلب ذلك الكون خرج سعيد أبو السعد…
آخر الجساسين.
لم يكن طبيبًا بيطريًا، ولم يعرف طريق الجامعات، ولم يعلّق على جدار بيته شهادةً مذهبة. كانت شهادته الوحيدة كفَّين خشنتين، صنعت الشمس على جلدهما خريطةً من السنين، فإذا استقرت أصابعه فوق خاصرة بقرة، سكت أصحابها، وسكت الطبيب البيطري، وكأن الحقيقة استأذنت الجميع قبل أن تنطق على لسانه.
كان إذا دخل قريةً، انتشر الخبر أسرع من الأذان. يخرج الرجال من الحقول، وتطل النساء من النوافذ، ويقف الأطفال خلفه كما يقف تلاميذ صغار خلف ساحرٍ عجوز يعرف أسرارًا لا يعرفها أحد.
كانت الأبقار نفسها تبدو أكثر هدوءًا في حضوره، كأنها تدرك أن ساعة الاعتراف قد حانت.
يضع يده في سكون، يغلق عينيه لحظات، ثم يرفع رأسه ويقول في هدوءٍ لا يعرف التردد:
“دي عُشر…”
أو…
“فاضية.”
ولا يجرؤ أحد على مجادلته.
ورث سعيد المهنة عن أبيه، وأبوه عن جده، حتى صار اسم العائلة نفسه مرادفًا للجس، كما تُورث بعض العائلات القضاء أو الإمامة أو حفظ القرآن. ولم يكن الناس يدفعون له أجرته لقاء دقائق يقضيها في الزريبة، بل لقاء سنوات طويلة اختبأت داخل أطراف أصابعه.
أما أبي، فقد كان رجلًا يعشق كل جديد. وحين بدأ التلقيح الصناعي يصل إلى قريتنا، كان من أوائل من أدخلوه، عن طريق صديقٍ طبيب بيطري، يحمل قشات اللقاح الأجنبية داخل ترمس صغير مملوء بالثلج، وكأنه يحمل مستقبل القطيع كله بين يديه.
كان أبي يتعامل مع ذلك الترمس كما يتعامل الصائغ مع صندوق الذهب.
أما أنا…
فكنت طفلًا لا يرى في الترمس إلا شيئًا يمكن وضعه بجوار ملعب الكرة.
في أحد الأيام، حملته من العيادة، وأنا أشعر أنني أقوم بمهمة وطنية. لكن الكرة كانت تنتظرني، والأصحاب كانوا أكثر إقناعًا من كل نصائح الكبار.
وضعت الترمس بجوار الملعب، وقلت لنفسي: خمس دقائق فقط.
لكن خمس دقائق في طفولة الريف لا تُقاس بالساعة، بل بعدد الأهداف.
وفي أثناء المباراة، اكتشف أولاد الحارة أن داخل الترمس كنزًا أبيض.
ثلج.
فتحوه، واقتسموه، ووضعوا القطع فوق رؤوسهم، وضحكوا، ثم تركوا الغطاء مفتوحًا، وانصرفوا يطاردون الكرة معي، بينما كانت حرارة الظهيرة تطارد اللقاح في صمت.
وفي اللحظة التي كنت أحتفل فيها بهدفٍ رائع، كان نصف رزق أبي يذوب داخل ذلك الترمس.
مرت الأيام.
وجاء موعد الجس.
دخل سعيد الزريبة في هدوئه المعتاد، ومد يده إلى أول بقرة.
صمت.
ثم قال:
“فاضية.”
انتقل إلى الثانية.
“فاضية.”
ثم الثالثة.
“برضه فاضية.”
ومع كل كلمة، كنت أشعر أن شيئًا يهبط من السماء فوق رأسي.
أما أبي، فاكتفى بالنظر إليَّ نظرةً طويلة، وقال وهو يزفر:
“واضح إن الولد لعب في اللقاح تاني.”
لم يحتج أحد إلى محكمة.
كانت تلك الجملة حكمًا نهائيًا.
ومنذ ذلك اليوم، صار سعيد ضيفًا دائمًا على بيتنا. كل أربعين يومًا يعود، يجس القطيع، ويغادر، بينما كنت أنا أحاول أن أختبئ كلما رأيته، خشية أن تكون أصابعه تعرف أن المجرم الحقيقي يقف أمامه.
وكان لأبي نظامٌ اقتصادي لا يعرفه إلا الفلاحون.
إذا كانت البقرة حاملًا، أخذ سعيد أجرته كاملة.
وإذا كانت فاضية، أخذ نصف الأجرة.
احتج سعيد يومًا، وقال وهو يجمع نقوده في ضيق:
“يا عم محمد… كده هفلس.”
ابتسم أبي ابتسامة الفلاح الذي يعرف كيف يحول الخسارة إلى نكتة، وقال:
“بالعكس… أنت أكتر واحد مستفيد. لو كانت كلها عُشر، كنت هتيجي مرة في السنة. دلوقتي بقيت بتزورنا أربع وخمس مرات… ربنا يفقرك على خير.”
ضحك الواقفون جميعًا.
حتى سعيد نفسه لم يستطع مقاومة الضحك، وهو يتمتم:
“ربنا يبارك لك في الولد… ويبعده عن الترمس.”
كبرت قليلًا، وصرت أعتبر نفسي مساعدًا رسميًا للجساس.
أقف خلفه، أقلد طريقة سيره، وأراقب أصابعه، وأحاول أن أكتشف السر.
هل يسمع نبضًا لا نسمعه؟
هل يشعر بحرارة لا نشعر بها؟
هل للبقرة لغة خفية لا يتقنها إلا هو؟
ولم أجد جوابًا.
حتى جاء ذلك الصباح الذي لن أنساه ما حييت.
أنهى سعيد عمله كله، ثم وقف عند الحنفية يغسل يديه بالصابون.
ناديت عليه من آخر الزريبة:
“يا عم سعيد… مين عُشر ومين فاضي؟”
نظر إليَّ، ثم ابتسم تلك الابتسامة التي لا تعرف إن كانت تحمل رحمةً أم مؤامرة.
وقال:
“البهايم كلها… زيك وزي أبوك.”
لم أفهم.
فسألته بسرعة:
“يعني كلها عُشر؟”
قال وهو يواصل غسل يديه:
“والله… زيك وزي أبوك.”
ثم أقسم بالله أكثر من مرة.
ولأنني كنت واثقًا أنني اكتشفت أخيرًا لغة الجساسين، أسرعت، وأعطيته أجره كاملًا، ثم جريت إلى داخل البيت كمن يحمل بشارة العيد.
اقتحمت الدار وأنا أصرخ:
“الحمد لله… كلهن عُشر!”
رفع أبي رأسه في دهشة.
“كلهن؟”
قلت بفخر المنتصر:
“كلهن.”
قال:
“وسعيد قال كده؟”
قلت:
“بالحرف الواحد… قال البهايم كلها زيي وزيك… وحلف بالله.”
ساد صمت قصير.
نظر أبي إليَّ.
ثم انفجر ضاحكًا.
لم تكن ضحكة عادية.
كانت ضحكة رجلٍ اكتشف أن ابنه استطاع، في دقيقة واحدة، أن يهزم ذكاء القرية كلها.
ظل يضحك حتى احمر وجهه، ثم اقترب مني، وربت على كتفي، وقال بين شهقات الضحك:
“يا ابني… هو قال لك البهايم زيك وزي أبوك؟”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“يبقى كلها فاضية.”
وقفت مذهولًا.
“إزاي؟”
فضحك أكثر، وقال وهو يمسح دموعه:
“هو أنت… ولا أبوك… هتعشروا يا مغفل؟”
وفي تلك اللحظة، انفجرت الزريبة كلها بالضحك.
ضحك الرجال حتى انحنوا.
وضرب سعيد كفًا بكف، وهو يقول:
“قلت أهو الولد لازم يتعلم.”
وأصبحت الجملة تسافر من مجلس إلى مجلس، حتى تحولت إلى مثلٍ تتناقله القرى، وكلما رآني سعيد بعد ذلك، لم يكن يسأل عن اسمي، بل يكتفي بابتسامة ماكرة ويقول:
“عامل إيه… يا عُشر؟”
مرت الأعوام.
واختفت المهنة شيئًا فشيئًا.
دخلت الأجهزة الحديثة، وأصبحت الشاشات تعرض صور الأجنة، وحلّت التقنيات محل أصابع الرجال الذين كانت خبرتهم تُولد مع الطين، وتكبر مع الحقول.
لكن شيئًا واحدًا لم تستطع التكنولوجيا أن تستبدله.
ذلك الضحك الصادق الذي كان يولد من جملة واحدة.
ولا تلك الألفة التي كانت تجعل قريةً كاملة تعيش أسبوعًا تروي مقلبًا صنعه جساس عجوز وطفل صدّق كل كلمة سمعها.
واليوم…
كلما مررت بحقلٍ هادئ، ورأيت بقرةً ترعى في صمت، أبتسم وحدي.
لا لأنني أتذكر المقلب…
بل لأنني أتذكر زمنًا كانت فيه الحكمة تسكن الأكف الخشنة، وكانت الخبرة تُورث كما تُورث الأرض، وكانت الكوميديا تولد من البراءة، لا من السخرية.
وأقسم أنني، كلما سمعت ضحكة فلاحٍ عجوز، أكاد أرى سعيد أبو السعد يخرج من بين السنابل، يمسح يديه في جلبابه، وينظر إليَّ بابتسامته القديمة، ثم يقول الجملة نفسها التي ما زالت تتردد في أذني بعد كل هذه السنين:
“البهايم كلها… زيك وزي أبوك.”
فأضحك…
ثم أتأكد أولًا…
قبل أن أدفع الحساب كاملًا..
تمت..
——————————-
القصة عجبتك متنسـاس تتفاعل عليها عشان دعمك مهم جدا لظهور المحتوي ، وشكرا ![]()

