حسن تصبح السياسة قدرا لا خيارا .. بقلم سمير ألحيان ابن الحسين

➖️ حين تُصبحُ السِّياسَةُ قَدَرًا لا خِيارًا :

حين يصبح الهروب مستحيلًا

قال لي يومًا:

«دَعْنا نبتعدُ قليلًا عن السِّياسة…»

فابتسمتُ، وقلتُ في نفسي: وهل بقي للإنسان سبيلٌ إلى الابتعاد عنها؟

إنَّ السِّياسة التي يتحدَّث عنها كثيرون بوصفها شأنًا خاصًّا بالحكَّام وأصحاب القرار، لم تَعُد كذلك؛ بل غدت واقعًا يتسلَّل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى أصبح الهروب منها أشبه بمحاولة الهروب من الظل.

ولستُ أُنكر أنَّ كثيرًا من الناس ينظرون إلى السِّياسة على أنها عالمٌ مُعتم، تتنازعه الانتهازية والوصولية، ويغيب عنه الضمير، حتى بات النفور منها مفهومًا عند فئةٍ واسعة من الناس.

غير أنَّ المشكلة الحقيقية لا تكمن في رغبتنا في الابتعاد عنها، وإنما في أنها لا تبتعد عنَّا.

فمهما حاولنا أن ننأى بأنفسنا عن دهاليزها، وجدناها تتسلل إلينا من أبوابٍ أخرى؛ لأنَّ أهل النفوذ والفساد والإفساد جعلوا من السِّياسة والاقتصاد محورًا تدور حوله معظم شؤون الحياة، حتى غدوا يتدخلون في تفاصيلها، من أصغرها إلى أكبرها.

ولذلك، فإنَّ دعوتنا إلى الابتعاد عن السِّياسة تبدو في كثيرٍ من الأحيان دعوةً مثاليةً تصطدم بواقعٍ مغاير؛ إذ كيف يُطلب من الإنسان أن يبتعد عن شيءٍ أصبح حاضرًا في تعليمه، ووظيفته، وقضائه، واقتصاده، وإعلامه، بل وفي تفاصيل يومه العادية؟

ومن هنا تبدأ المفارقة الكبرى؛ فنحن لا نذهب إلى السِّياسة دائمًا، بل كثيرًا ما تأتي السِّياسة إلينا، وتفرض نفسها على حياتنا فرضًا، حتى تصبح قدرًا لا خيارًا

حين ترتدي السياسة ثوب القانون

نظنُّ أننا ابتعدنا عن السياسة، غير أنها تظل ترافقنا في كلِّ لحظةٍ من لحظات حياتنا. ومهما حاولنا أن ننأى بأنفسنا عنها، وجدناها تعود إلينا من أبوابٍ لم نتوقعها.

إنهم يضعون القواعد على مقاس مصالحهم، ثم يقدمونها للناس في صورة قوانين وُلدت من رحم العدالة، فيظن كثيرون أنها لا تعرف إلا الإنصاف.

ثم يأتون بالحكام والقضاة، ويقولون لنا:

هؤلاء درسوا القانون، وهم أدرى منكم بأحكامه.

فإذا صدر حكمٌ جائر، أو بدا للناس أن العدالة قد انحرفت عن مسارها، كان الجواب حاضرًا:

أنتم لا تفهمون… والقانون أدرى.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكون الخلل دائمًا في القانون، أم فيمن يملك سلطة توجيهه وتطبيقه؟

إن المأساة في كثيرٍ من بلدان العالم الثالث لا تكمن في النصوص القانونية وحدها، وإنما في فقدان استقلاليتها عندما تصبح أسيرة الإرادة السياسية. فحينئذٍ لا يعود القانون ميزانًا للحق، بل قد يتحول إلى غطاءٍ يمنح الظلم مظهرًا قانونيًا، ويكسو القرار السياسي ثوب العدالة.

وهكذا، لا يُقدَّم الظلم بوصفه ظلمًا، بل يُقدَّم على أنه حكمٌ صادر باسم القانون، ثم يُطلب من الناس الصمت؛ لأن «القضاء قال كلمته».

ولو كُشف المستور، وقيلت الحقيقة كما هي، لأدرك كثيرون أن بعض المؤسسات التي وُجدت لحماية العدالة قد تتحول ـ عندما تُسلب استقلاليتها ـ إلى أدواتٍ تُكرِّس نفوذ السلطة السياسية بدل أن تقف في وجهها.

وحين تبلغ السياسة هذه المرحلة، فإنها لا تكتفي بإدارة الدولة، بل تبدأ في إعادة تعريف العدل نفسه، حتى يصبح الحق ما تريده السلطة، لا ما يقتضيه القانون أو يمليه الضمير

حين يمتدُّ ظلُّ السِّياسة إلى سائر الميادين

وليس هذا النمط حكرًا على السِّياسة وحدها، بل يكاد يمتد إلى مجالاتٍ كثيرة من حياتنا.

فنحن نراه أحيانًا في الرياضة، ونلمحه في الفن، وقد نجده في مؤسساتٍ أخرى، وفي كلِّ ساحةٍ يُعيَّن فيها من يملك سلطة الفصل أو الترجيح أو إصدار القرار.

فليست المشكلة دائمًا في وجود الحَكَم أو اللجنة، وإنما في الجهة التي تملك سلطة تعيينهما، وفي مقدار استقلاليتهما عن إرادتها.

وحين تغيب الاستقلالية، أو تضعف أمام النفوذ، يصبح الحقُّ هو أول الخاسرين؛ إذ لا يُنصَف صاحب الحق لكونه صاحب حق، بل قد يُنصَف من يملك النفوذ، أو من يقف خلفه، أو من جاءت إرادة أصحاب القرار في صالحه.

ولذلك، فإنَّ العدالة لا تُقاس بوجود القوانين أو اللجان أو الحكَّام فحسب، وإنما تُقاس بقدرتهم على التحرر من الضغوط، وأن يكون ولاؤهم للحقيقة قبل الأشخاص، وللمبدأ قبل السلطة.

وحين تفقد المؤسسات هذه الاستقلالية، لا يعود الخلل في الأشخاص وحدهم، بل يصبح جزءًا من بنيةٍ تُعيد إنتاج الظلم في صورٍ مختلفة، حتى يبدو وكأنه أمرٌ طبيعي، بينما هو في حقيقته انحرافٌ عن جوهر العدالة

التَّاريخُ لا يكتب دائمًا أسماءَ الأبطال

قبل أيام، كنتُ أجلس في أحد المقاهي أتابع بعض المباريات الرياضية؛ مباراةً في كرة القدم، وأخرى في كرة السلة. وبينما كنت أراقب مجريات اللعب، استوقفني مشهدٌ بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه أثار في داخلي سؤالًا عميقًا.

كان هناك لاعبٌ يقف في خط الدفاع، يتصدى للهجمات، وينقذ مرماه من أهدافٍ محققة، ويشكل السند الذي يستند إليه الفريق حتى لا ينهار أو يخسر المباراة.

ومع ذلك…

حين تنتهي المباراة، لا يكاد أحد يذكر اسمه، ولا تتصدر صوره عناوين الصحف، ولا تُروى بطولاته للأجيال.

أما اللاعب الذي سجل الهدف الأخير، فقد يكون الهدف ثمرة عملٍ جماعي، شارك في صناعته المدافع، وصانع الألعاب، وبقية زملائه، غير أن التاريخ لا يكتب غالبًا إلا اسم من وضع الكرة في الشباك، ويقدمه وحده بوصفه بطل الانتصار.

ولم يكن هذا المشهد خاصًا بتلك المباراة وحدها، بل هو يكاد يتكرر في معظم الألعاب الجماعية، حيث تذهب الأضواء إلى من يقطف الثمرة، بينما يغيب عن الذاكرة من سقى الشجرة وحرسها حتى أثمرت.

عندها أدركت أن القضية ليست رياضية فحسب، بل هي صورةٌ مصغرة لما يحدث في واقعنا.

فكم من إنسانٍ دافع عن قومه، أو حمى وطنه، أو نصر مبدأً آمن به، أو أنقذ أرواحًا لا تُحصى، وكان السبب في بقاء أمته واقفةً أمام العواصف، ثم مضى من هذه الدنيا دون أن يخلد التاريخ اسمه، أو يوثق شيئًا من عطائه، حتى كأنه لم يكن يومًا جزءًا من صناعة ذلك الإنجاز.

وفي المقابل، كم من شخصٍ ارتبط اسمه بالحروب والدمار وسفك الدماء، ومع ذلك احتفظ له التاريخ بمكانٍ بارز في صفحاته، بل وربما أحاطه بهالة البطولة، وجعله رمزًا تتناقله الأجيال.

ومن هنا، لا ينبغي لنا أن نتعامل مع التاريخ على أنه مرآةٌ تعكس الحقيقة كاملة؛ لأن التاريخ ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ لا يروي كل ما حدث، وإنما يروي ما كُتب له أن يُروى.

ولذلك، فإن غياب الاسم عن صفحات التاريخ لا يعني غياب البطولة، كما أن حضور الاسم فيها لا يكفي وحده ليمنح صاحبه شرف البطولة.

فكم من بطلٍ حقيقي عاش مجهولًا، وكم من مشهورٍ لم يصنع مجده إلا قلمُ المنتصرين

حين يكتب المنتصرون ذاكرة الأمم

إنها ليست سوى تذكرة…

تذكرةٌ لأولئك الأبطال المجهولين الذين عبروا الحياة في صمت، وبذلوا أعمارهم دفاعًا عن أوطانهم، أو مبادئهم، أو شعوبهم، ثم رحلوا دون أن يترك التاريخ لهم صفحةً تليق بتضحياتهم.

ولعلَّ أكثر ما يؤلم في مسيرة التاريخ، أنه لا يُكتب دائمًا بأقلام الباحثين عن الحقيقة، بل كثيرًا ما يُكتب بأقلام المنتصرين.

وحين يصبح المنتصر هو الكاتب، لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعيد ترتيبها، ويختار ما يُروى منها وما يُطوى، وما يُرفع إلى منزلة البطولة، وما يُلقى في ظلمات النسيان.

وعندما تخضع كتابة التاريخ لمزاج السلطة، أو لإرادة السياسي، أو لمصالح أصحاب النفوذ، فإنها تفقد رسالتها، وتتحول من توثيقٍ للحقيقة إلى صناعةٍ للرواية التي يراد للناس أن يصدقوها.

فقد يُثبت التاريخ ما يخدم أصحاب القرار، ويُهمل ما يكشف عيوبهم، أو يمحو أسماء من لا ينسجم حضورهم مع الرواية الرسمية.

وعندئذٍ، لا يصبح التاريخ سجلًا أمينًا للأحداث، بل يغدو ـ في بعض البيئات ـ إحدى أدوات السلطة، يُعاد تشكيله كلما تغيرت موازين القوة، حتى تصبح ذاكرة الأمم نفسها رهينةً لمن يملك القرار.

ولهذا، فإن البحث عن الحقيقة لا ينبغي أن يتوقف عند ما كُتب في صفحات التاريخ، بل يجب أن يمتد إلى ما سكتت عنه تلك الصفحات، وإلى الأصوات التي غُيِّبت، وإلى البطولات التي لم تجد من يدوّنها.

فليس كل ما كُتب هو الحقيقة، كما أن الحقيقة ليست دائمًا كل ما كُتب

السياسة… حين تصبح قدرًا لا خيارًا

وبناءً على ذلك، إذا كانت السياسة، والفلسفة، وكل فكرٍ نقدي، تُقلق مضجعك أيها المسؤول، وترى أن السلامة تكمن في ابتعاد الناس عنها، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو:

لماذا تُدرَّس هذه العلوم أصلًا في الجامعات، والمعاهد، والكليات؟

إن كنت ترى أن المجتمع لا يحتاج إلى وعيٍ سياسي، ولا إلى عقلٍ ناقد، ولا إلى إنسانٍ يفكر ويسأل، فلماذا تُدرج هذه المعارف ضمن المناهج الدراسية؟ ولماذا يُطلب من الطالب أن يدرسها سنواتٍ طويلة، ثم يُلام بعد ذلك إذا جعلها جزءًا من وعيه ورؤيته للحياة؟

إن التناقض لا يكمن في اهتمام الناس بالسياسة، وإنما في مطالبتهم بالابتعاد عن شيءٍ أنتم أنفسكم قدَّمتموه لهم بوصفه علمًا يُدرَّس، ومعرفةً تستحق أن تُكتسب.

ولذلك، فإن العيب ليس فيمن تعلَّم، ولا فيمن فكَّر، ولا فيمن مارس حقه في النقد، بل فيمن أراد تعليم العقول كيف تفكر، ثم ضاق بها حين بدأت تمارس التفكير.

ولعلَّ من أهم أسباب نجاح كثيرٍ من الأنظمة في عالمنا المعاصر أنها تجعل أفعالها أكثر انسجامًا مع سياساتها العامة، فلا تعلن شيئًا وتمارس نقيضه، ولا تُربي الناس على مبدأ، ثم تعاقبهم لأنهم أخذوا ذلك المبدأ على محمل الجد.

لذلك، قبل أن تقول لي: «اترك السياسة»، قُل للسياسة أولًا أن تتركني وشأني، وألَّا تتدخل في تعليمي، واقتصادي، وقضائي، وإعلامي، وتاريخي، وفي أدق تفاصيل حياتي.

وعذرًا للإمام الألباني، رحمه الله، حين قال: «من السياسة ترك السياسة»؛ فلعلَّ هذا القول كان ينتمي إلى سياقٍ غير سياقنا.

أما اليوم، فقد أصبحت السياسة تتسلل إلى كل شيء، حتى غدا فهمها ضرورةً لا ترفًا، ووعيًا لا رفاهية، لأنها لم تعد شأنًا يخص السياسيين وحدهم، بل أصبحت تمس حياة الإنسان اليومية في كل تفاصيلها.

فحين تصبح السياسة حاضرةً في التعليم، والقانون، والاقتصاد، والإعلام، وكتابة التاريخ، فإن الابتعاد عنها لا يعود قرارًا فرديًا، بل أمنيةً يصعب تحقيقها.

ولهذا، فإن القضية ليست في أن نُحب السياسة أو نكرهها، وإنما في أن نفهمها؛ لأن من لا يفهم ما يؤثر في حياته، يترك مصيره لغيره.

حينئذٍ فقط، تصبح السياسة قدرًا لا خيارًا.

بقلم: سمير ألحيان ابن الحسين

أضف تعليق