قصيدة *أنشودة الجراح و الم الحياة*
بقلم الشاعر اد/ حسام البرمبلى
في دروب الحياة نمشي مثقلين بالحنين والوجع وبالصمت الذي يأكل أطراف الروح ببطء
والزمان يضحك من خلف ستار الغدر ويطعننا كلما ظننا أن الفجر قد اقترب من نوافذنا
بؤس الحيلة حين تضيق الدنيا فلا تجد يدا تمتد ولا بابا يفتح ولا قلبا يفهم دمعك
وتقف وحيدا في منتصف الطريق تسأل نفسك أين الذين وعدوا بالبقاء حين اشتد المطر
خيانة الأصدقاء سهم مسموم يخرج من القوس الذي كنا نظنه وطنا وملاذا
يبيعون العشرة بثمن بخس وينكرون الجميل الذي سقيناه بدم قلوبنا ليال طوال
ينكرون المعروف وكأنه لم يكن وكأن الليالي التي سهرناها لأجلهم كانت سرابا في عيوننا
ويمرون بنا كأننا غرباء وكأننا لم نكن يوما السند الذي اتكأوا عليه في عثراتهم
عذاب الضمائر الغائبة عن المعروف أثقل من الجبال وأقسى من صمت القبور
قلوب لا تهتز لدمعة ولا تلين لنداء ولا تعرف معنى الوفاء ولا طريق الرحمة
تمشي في الأرض بلا روح وتأكل وتشرب وتضحك والخير في داخلها قد مات
فكيف لإنسان أن يحيا بلا ضمير وكيف لقلب أن ينبض بلا إحساس
عدم التسامح جدران عالية نبنيها بأيدينا فنحبس أنفسنا داخلها
نحمل الغضب كالحجر ونسير به في الطرقات ونظن أننا أقوياء ونحن منهكون
والصفح ثقيل على من اعتاد القطيعة والكلمة الطيبة غريبة على لسان اعتاد الجفاء
فنخسر بعضنا ونحن أحياء ونموت ونحن لم نتصالح مع أنفسنا ولا مع الدنيا
صعاب الحياة جبال فوق جبال وكلما تسلقنا قمة ظهرت لنا قمم أعلى وأبعد
نتعثر فنسقط ثم ننهض بظهر محني وعين دامعة وقلب مكسور
والأيام لا ترحم الضعيف ولا تنتظر المتعب ولا تعطي فرصة للراحة
فنركض خلف الرزق ونجري خلف الأمان ونجد السراب في نهاية كل درب
ألم الوحدة قاتل صامت يجلس بجانبك على الوسادة ويأكل من سكون الليل
تحدث الجدران فيرد عليك الصدى وتضحك وحدك فتخاف من صوت ضحكتك
تنام وعينك مفتوحة وتنتظر صباحا لا يأتي وموعدا لا يحضر واتصالا لا يرد
فتكتشف أن أشد أنواع الغربة أن تكون وسط الناس ولا يراك أحد
اليأس المميت يتسلل كالدخان في الروح فيخنق الأمل ويطفئ المصابيح
يقول لك لا فائدة ويقنعك أن كل الطرق مسدودة وأن كل الأبواب موصدة
يجعلك ترى المستقبل ظلاما دامسا وترى الحاضر قبرا مفتوحا وترى الماضي جرحا لا يندمل
فتستسلم للرماد وتجلس على أطلال ما كان وتدفن الحلم بيديك
كم من معروف صنعته فجحدوه وكم من يد مددتها فقطعوها وكم من قلب أعطيته فكسروه
وكم من سر أودعته فأذاعوه وكم من دمعة مسحتها فصارت سخرية على شفاههم
نبني لهم قصورا من نور ونسكن نحن في الخراب ونزرع لهم الورد ونمشي نحن على الشوك
ونعطيهم من أعمارنا سنين فيأخذونها ويرحلون بلا كلمة شكر ولا نظرة عرفان
الزمان غدار لا يفي بالعهد ولا يحفظ الود ولا يرحم من سقط على طريقه
يقلب الموازين في ليلة ويبدل الأحباب أعداء ويحول الصديق خصما والرفيق غريما
فلا تثق بضحكة الأيام ولا بأمانيها ولا بوعودها فإنها سراب يتبدد عند أول اختبار
وإن ابتسم لك فاعلم أنه يعد العدة ليختبر صبرك من جديد
نسير في الأسواق والوجوه كثيرة ولكن القلوب قليلة والصدق أندر من الماء
نقول نحن بخير والجرح ينزف تحت الثياب ونبتسم والدمعة محبوسة خلف الأهداب
نخفي انكسارنا بضحكة عالية ونخفي خوفنا بكبرياء مصطنع ونخفي حاجتنا بعناد قاتل
حتى صرنا غرباء عن أنفسنا قبل أن نكون غرباء عن الناس
يا من بعتم الود بثمن زائل ويا من نسيتم الجميل في لحظة غضب
تذكروا أن الدنيا دوارة وأن الأيام دول وأن ما زرعتموه اليوم ستحصدونه غدا
فإن زرعتم الجفاء حصدتم الوحشة وإن زرعتم النكران حصدتم الخذلان وإن زرعتم القسوة حصدتم الوحدة
فاختاروا ما تزرعون فإن الحصاد لا يكذب وإن طال الانتظار
ليست كل الابتسامات رضا وليست كل السكوت ضعف وليست كل العزلة اختيار
فهناك من يبتسم وقلبه مثقوب وهناك من يصمت وروحه تصرخ وهناك من ينعزل لأنه تعب من الخذلان
فارحموا من لا يشكو وافهموا من لا يتكلم واقرؤوا ما بين سطور الدموع
الحياة مدرسة قاسية دروسها موجعة ولكنها صادقة
تعلمك من الذي يستحق ومن الذي لا يستحق ومن الذي يبقى ومن الذي يرحل
تعلمك أن لا تعلق قلبك على جدار مائل وأن لا تضع سرك في يد لا تحفظ الأمانة
وأن لا تنتظر من باعك بالأمس أن يشتريك اليوم
وحدك في الليل تسأل النجوم هل سيأتي الصبح وتحمل معه بشرى
هل سينتهي هذا الليل الطويل وهل سينام القلب بلا خوف وهل سيعود للروح بعض الدفء
فلا جواب إلا صمت النجوم ولا عزاء إلا صبرك الذي لم ينكسر بعد
ولكن رغم كل هذا الألم لا تجعل اليأس يقتلك قبل أن تموت
ورغم كل هذا الغدر لا تجعل قلبك حجرا لا يحب
ورغم كل هذا الجحود لا تكف عن العطاء فإن الخير لا يضيع عند الله
وإن ضاقت بك الدنيا فاعلم أن للصابرين فجرا وأن للصادقين وعدا وأن للقلوب المكسورة جبرا
قم وامسح الغبار عن روحك وامض في الطريق وإن كنت وحدك
فمن مشى مع الحق وصل ومن صبر على الجراح شفي ومن تمسك بالأمل نجا
والحياة مهما قست ستمضي والزمان مهما غدر سيتبدل والقلب مهما انكسر سيلتئم

