شكوى إلى الموج .. للشاعر أبو عادل وجيه الحاج خليفة

(شكوى إلى الموج)

سَكَبَ الفُؤادُ مَعَ الشُّرُوقِ رَجَاءَهُ … وَمَضَى لِيَبُثَّ إلَى البِحَارِ عَنَاءَهُ

يَا بَحْرُ جِئْتُكَ وَالهُمُومُ كَأَنَّهَا … جَبَلٌ تَسَدَّدَ فِي المَدَى طُرُقَاءَهُ

خُذْنِي إلَيْكَ فَقَدْ تَعِبْتُ مِنَ النَّوَى … وَالدَّهْرُ أَسْرَفَ حِينَ زَادَ جَفَاءَهُ

كُلُّ المَوَانِئِ أَوْصَدَتْ أَبْوَابَهَا … فِيكَ اسْتَجَارَ القَلْبُ يَبْغِي شِفَاءَهُ

أَمْوَاجُكَ العَذْبَاءُ تَلْمِسُ أَدْمُعِي … فَتَذُوبُ فِي مِلْحِ الأَسَى كِبْرِيَاءَهُ

تَبْدُو لِعَيْنِي كَالمِرَآةِ صَفَاؤُهَا … يَعْكِسْ لِأَرْوَاحِ الحَيَارَى سَمَاءَهُ

يَا بَحْرُ أَنْصِتْ لِلْجِرَاحِ فَإِنَّهَا … تَعْوِي وَتَكْتُمُ فِي الضُّلُوعِ بُكَاءَهُ

قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ جُرْحِي عَابِرٌ … حَتَّى رَأَيْتُ مِنَ الزَّمَانِ بَلَاءَهُ

كَمْ بَاتَ وَجْهِي ضَاحِكاً لِأَحِبَّتِي … وَالرُّوحُ تَحْمِلُ خَلْفَهُ كَرْبَاءَهُ

كَالمَدِّ وَالجَزْرِ العَنِيفِ بِخَاطِرِي … حُزْنٌ يُجَدِّدُ فِي الحَشَا رَغَبَاءَهُ

مَا جِئْتُ أَطْلُبُ مُعْجِزَاتٍ إِنَّمَا … يَلْزَمْ فُؤَادِي كَفَّ مَنْ مَسَحَاءَهُ

رَفْقاً بِقَلْبِي يَا نَدِيمَ مَوَاجِعِي … لا تَزِدْ عَلَى هَذَا العَلِيلِ بَلَاءَهُ

أَمْشِي عَلَى الرَّمْلِ النَّدِيِّ وَخُطْوَتِي … ثَقُلَتْ كَمَنْ يَمْشِي وَيَجُرُّ شَقَاءَهُ

لِي فِي المَسَاءِ مَعَ الظَّلَامِ حِكَايَةٌ … السُّهْدُ فِيهَا قَدْ أَعَادَ بِنَاءَهُ

نَادَيْتُ صَوْتَكَ كَي يُهَدِّئَ رَوْعَتِي … فَعَسَى يُجِيبُ النَّادِبُونَ دُعَاءَهُ

يَا أَيُّهَا الأُفُقُ البَعِيدُ أَلَا تَرَى … عَبْداً رَمَاهُ المُبْعِدُونَ وَرَاءَهُ؟

أشْكُو وَتَعْرِفُ مِثْلَمَا يَدْرِي السَّمَا … أَنِّي تَحَمَّلْتُ الحَيَاةَ عَمَاءَهُ

أقْبَلْتُ مُشْتَاقاً لِعِطْرِكَ كَي أَرَى … فِيكَ المَلَاذَ إِذَا الفَضَاءُ تَنَاءَهُ

لَكِنَّ عاصِفَةَ الغُمُومِ شَدِيدَةٌ … كَسَرَتْ مِنَ الغُصْنِ الضَّعِيفِ نَمَاءَهُ

فَالنَّدَمُ يُبْحِرُ فِي عُرُوقِي مِثْلَمَا … تَسْرِي المِيَاهُ وَتَمْلَأُ الأَرْجَاءَهُ

حُزَمٌ مِنَ الآلَامِ أَحْمِلُ ثِقْلَهَا … وَالظَّهْرُ يَنْحَنِي يَسْتَجِيرُ رِدَاءَهُ

يَا بَحْرُ عُذْراً إِنْ أَطَلْتُ شِكَايَتِي … صَدْرِي بِآهَاتِ الوُجُودِ تَمَاءَهُ

أَنْتَ الوَفِيُّ لِكُلِّ بَاكٍ حَائِرٍ … تَحْنُو عَلَيْهِ وَتَحْفَظُ الأَسْمَاءَهُ

فَاغْسِلْ هُمُومِي بِالمِيَاهِ لَعَلَّنِي … أَلْقَى غَداً بَعْدَ العَذَابِ رَخَاءَهُ

وَاجْعَلْ هَدِيرَكَ سَلْوَةً لِمُعَذَّبٍ … ضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَنَالَ مَشَاءَهُ

أضف تعليق