(شكوى إلى الموج)
سَكَبَ الفُؤادُ مَعَ الشُّرُوقِ رَجَاءَهُ … وَمَضَى لِيَبُثَّ إلَى البِحَارِ عَنَاءَهُ
يَا بَحْرُ جِئْتُكَ وَالهُمُومُ كَأَنَّهَا … جَبَلٌ تَسَدَّدَ فِي المَدَى طُرُقَاءَهُ
خُذْنِي إلَيْكَ فَقَدْ تَعِبْتُ مِنَ النَّوَى … وَالدَّهْرُ أَسْرَفَ حِينَ زَادَ جَفَاءَهُ
كُلُّ المَوَانِئِ أَوْصَدَتْ أَبْوَابَهَا … فِيكَ اسْتَجَارَ القَلْبُ يَبْغِي شِفَاءَهُ
أَمْوَاجُكَ العَذْبَاءُ تَلْمِسُ أَدْمُعِي … فَتَذُوبُ فِي مِلْحِ الأَسَى كِبْرِيَاءَهُ
تَبْدُو لِعَيْنِي كَالمِرَآةِ صَفَاؤُهَا … يَعْكِسْ لِأَرْوَاحِ الحَيَارَى سَمَاءَهُ
يَا بَحْرُ أَنْصِتْ لِلْجِرَاحِ فَإِنَّهَا … تَعْوِي وَتَكْتُمُ فِي الضُّلُوعِ بُكَاءَهُ
قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ جُرْحِي عَابِرٌ … حَتَّى رَأَيْتُ مِنَ الزَّمَانِ بَلَاءَهُ
كَمْ بَاتَ وَجْهِي ضَاحِكاً لِأَحِبَّتِي … وَالرُّوحُ تَحْمِلُ خَلْفَهُ كَرْبَاءَهُ
كَالمَدِّ وَالجَزْرِ العَنِيفِ بِخَاطِرِي … حُزْنٌ يُجَدِّدُ فِي الحَشَا رَغَبَاءَهُ
مَا جِئْتُ أَطْلُبُ مُعْجِزَاتٍ إِنَّمَا … يَلْزَمْ فُؤَادِي كَفَّ مَنْ مَسَحَاءَهُ
رَفْقاً بِقَلْبِي يَا نَدِيمَ مَوَاجِعِي … لا تَزِدْ عَلَى هَذَا العَلِيلِ بَلَاءَهُ
أَمْشِي عَلَى الرَّمْلِ النَّدِيِّ وَخُطْوَتِي … ثَقُلَتْ كَمَنْ يَمْشِي وَيَجُرُّ شَقَاءَهُ
لِي فِي المَسَاءِ مَعَ الظَّلَامِ حِكَايَةٌ … السُّهْدُ فِيهَا قَدْ أَعَادَ بِنَاءَهُ
نَادَيْتُ صَوْتَكَ كَي يُهَدِّئَ رَوْعَتِي … فَعَسَى يُجِيبُ النَّادِبُونَ دُعَاءَهُ
يَا أَيُّهَا الأُفُقُ البَعِيدُ أَلَا تَرَى … عَبْداً رَمَاهُ المُبْعِدُونَ وَرَاءَهُ؟
أشْكُو وَتَعْرِفُ مِثْلَمَا يَدْرِي السَّمَا … أَنِّي تَحَمَّلْتُ الحَيَاةَ عَمَاءَهُ
أقْبَلْتُ مُشْتَاقاً لِعِطْرِكَ كَي أَرَى … فِيكَ المَلَاذَ إِذَا الفَضَاءُ تَنَاءَهُ
لَكِنَّ عاصِفَةَ الغُمُومِ شَدِيدَةٌ … كَسَرَتْ مِنَ الغُصْنِ الضَّعِيفِ نَمَاءَهُ
فَالنَّدَمُ يُبْحِرُ فِي عُرُوقِي مِثْلَمَا … تَسْرِي المِيَاهُ وَتَمْلَأُ الأَرْجَاءَهُ
حُزَمٌ مِنَ الآلَامِ أَحْمِلُ ثِقْلَهَا … وَالظَّهْرُ يَنْحَنِي يَسْتَجِيرُ رِدَاءَهُ
يَا بَحْرُ عُذْراً إِنْ أَطَلْتُ شِكَايَتِي … صَدْرِي بِآهَاتِ الوُجُودِ تَمَاءَهُ
أَنْتَ الوَفِيُّ لِكُلِّ بَاكٍ حَائِرٍ … تَحْنُو عَلَيْهِ وَتَحْفَظُ الأَسْمَاءَهُ
فَاغْسِلْ هُمُومِي بِالمِيَاهِ لَعَلَّنِي … أَلْقَى غَداً بَعْدَ العَذَابِ رَخَاءَهُ
وَاجْعَلْ هَدِيرَكَ سَلْوَةً لِمُعَذَّبٍ … ضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَنَالَ مَشَاءَهُ

