حوار مع شوقي … للشاعر الدكتور فيصل سعودي

حِوَارٌ مَعَ شَوْقِي

فَيْصَل:

يَا أَمِيرَ الشُّعَرَاءِ، رَوَيْتَ الْغَزَلَ حَتَّى جَعَلْتَ لِلْكَأْسِ لِسَانًا، وَلِلنَّظْرَةِ تَارِيخًا. أَرَأَيْتَ إِنْ مَضَتِ الْحَبِيبَةُ كَيْفَ يَكُونُ الصَّمْتُ بَعْدَهَا؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلشَّاعِرِ أَنْ يُعِيدَ بِنَاءَ نَفْسِهِ مِنْ وَهْمِهَا؟

شَوْقِي:

اسْأَلِ الْقَصِيدَةَ يَا فَيْصَل، فَهِيَ أَصْدَقُ مِنْ كَلَامِي. سَأُجِيبُكَ بِأَبْيَاتٍ كُتِبَتْ فِي زَمَنٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ الْمَرَايَا تَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهَا. خُذْهَا:

غَزَلِيَّةٌ عَلَى نَهْجِ شَوْقِي

سَلَوْتُ وَقَالَ النَّاسُ صَدَقَ الثَّنَاءُ

وَكَيْفَ وَفِي الْأَضْلَاعِ مِنْهَا بَقَاءُ

أَتُرَاهَا تَنَاسَتِ الْعَهْدَ لَمَّا

كَثُرَتْ حَوْلَهَا الْوُجُوهُ وَالْأَسْمَاءُ

إِنْ مَرَرْتُ اسْتَدَارَ وَجْهٌ جَمِيلٌ

وَتَوَلَّى كَأَنَّ الَّذِي كَانَ أَشْيَاءُ

نَظْرَةٌ فَابْتِسَامَةٌ فَكَلَامٌ

فَتَعَهُّدٌ فَزَفْرَةٌ فَلِقَاءُ

يَوْمَ كُنَّا وَمَا عَلَيْنَا رَقِيبٌ

كَانَ مَا بَيْنَنَا شِفَاءٌ وَدَاءُ

كَيْفَ تَخْفَى وَفِي الظَّلَامِ بَرِيقٌ

وَعَلَى الرَّوْضِ مِنْ جَبِينِكِ ضِيَاءُ

جَلَلَتْهَا السَّمَاءُ بُرْداً مِنَ الْحُسْنِ

فَغَدَا الْحُسْنُ فَوْقَهَا هُوَ رِدَاءُ

مَا رَأَى النِّيلُ مِثْلَهَا يَوْمَ جَاءَتْ

سَاحِرَ اللَّحْظِ وَالنَّسِيمُ الْغِذَاءُ

قُلْتُ لِلرَّوْضِ هَلْ رَأَيْتَ مَلِيحاً

قَالَ نَعَمْ وَاسْمُهُ الصَّبَا وَالصَّفَاءُ

وَالنَّسِيمُ الَّذِي تَمُرُّ بِهِ يُصْبِحُ

مِسْكَ الشَّذَا فَكَيْفَ يَكُونُ الْهَوَاءُ

أَعْطَتِ الْوَرْدَ مِنْ خُدُودٍ وَأَخَذَتْ

مِنْهُ مَا لَيْسَ يَعْرِفُ الْوَرْدُ عَطَاءُ

سَأَلَتْنِي عَنِ الدُّمُوعِ فَقُلْتُ

هِيَ شَاهِدٌ لَيْسَ بَعْدَهُ بُكَاءُ

يَا لَهَا مِنْ يَدٍ أَعَادَتْ إِلَيَّ

رُوحَ عُمْرٍ يَشْهَدُ الْقَلْبُ وَفَاءُ

مَرَّ طَيْفٌ فَأَشْرَقَتْ لَيْلَةٌ كَانَتْ

دُجْنَةً ثُمَّ أَضَاءَتْ بِهِ السَّمَاءُ

لَيْتَهَا تَسْمَعُ الْعَذُولَ وَتَدْرِي

أَنَّ قَلْباً يَحِنُّ فِيهِ رَجَاءُ

يَا طَوِيلَ التَّجَنِّ كَمْ ذَا الْعَنَاءُ

إِنَّ فِي الصَّبِّ مَا يَزِيدُ وَيَشَاءُ

يَا حَمَامَ الْأَيْكِ رَدِّدْ نَشِيداً

رُبَّمَا يَسْمَعُ الدُّعَاءَ دُعَاءُ

وَالْهَوَى مَا انْتَهَى وَمَا كَانَ يَنْتَهِي

إِنَّهُ مُنْذُ كَانَ كَانَ الِابْتِدَاءُ

أَيُّهَا الْعَاشِقُونَ دَعْوَى الشِّفَاءِ

كَذِبٌ وَالْهَوَى هُوَ الشِّفَاءُ

مَا الْهَوَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَبَابَةً

لَا يُدَاوِيهَا إِلَّا الرِّضَاءُ

الدكتور فيصل سعودي

أضف تعليق