هندسة الإدراك (1)
اقتصاد الانتباه: عندما يصبح الإنسان هو السلعة
بقلم: د. محمد عبدالله الغريش
في كل عصر كان هناك مورد استراتيجي تتنافس عليه القوى الكبرى. فكانت الأرض مصدر النفوذ في العصور الزراعية، وأصبح النفط عماد القوة في العصر الصناعي، أما اليوم فقد ظهر مورد جديد يفوقهما تأثيرًا، لأنه لا يُستخرج من باطن الأرض، بل من أعماق العقل البشري: الانتباه.
لم تعد الشركات العملاقة تتنافس على بيع المنتجات فحسب، بل أصبحت تتنافس على السيطرة على الوقت الذي تقضيه أمام الشاشة، وعلى عدد المرات التي تعود فيها إلى هاتفك، وعلى المشاعر التي تنتابك أثناء التصفح. لقد أصبح انتباه الإنسان هو العملة الأكثر قيمة في الاقتصاد الرقمي، لأنه المفتاح الذي تُبنى عليه الإعلانات، وتُجمع من خلاله البيانات، وتُصاغ بواسطته القرارات الاستهلاكية والسياسية والثقافية.
من هنا نشأ ما يُعرف بـ اقتصاد الانتباه؛ وهو نموذج اقتصادي يقوم على مبدأ بسيط، لكنه بالغ الخطورة: كلما طال انتباهك، زادت أرباح المنصة.
ولذلك لم تعد المنصات الرقمية تسأل: ماذا يحتاج الإنسان؟ بل أصبحت تسأل: كيف نجعله يبقى معنا أطول وقت ممكن؟
هذه ليست مبالغة، بل هي الفلسفة التي تقوم عليها معظم التطبيقات التي نستعملها يوميًا. فالهدف الأول لم يعد تقديم أفضل محتوى، وإنما إنتاج أكثر المحتويات قدرة على جذب الانتباه، حتى لو كان ذلك على حساب جودة المعرفة أو الصحة النفسية أو التماسك الاجتماعي.
وهنا تتغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. فالمستخدم لم يعد زبونًا يدفع ثمن خدمة، بل أصبح هو نفسه المادة الخام التي تُستثمر. بياناته، واهتماماته، وسلوكه، وعلاقاته، وحتى لحظات ضعفه وانفعاله، تتحول إلى معلومات تُحلل بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم تُستخدم للتنبؤ بسلوكه والتأثير في قراراته.
إن المقولة الشهيرة: “إذا كان المنتج مجانيًا، فأنت هو المنتج” لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت وصفًا دقيقًا لواقع الاقتصاد الرقمي.
لكن كيف تستطيع المنصات أن تستولي على انتباه مليارات البشر؟
الجواب يكمن في فهمها للطبيعة الإنسانية.
فالدماغ البشري لا يعمل دائمًا وفق المنطق، بل يتأثر بالفضول، والمفاجأة، والخوف، والمكافأة، والرغبة في القبول الاجتماعي. وقد صُممت الخوارزميات لاستثمار هذه الدوافع بدقة مذهلة.
كل إشعار يصل إلى هاتفك، وكل إعجاب يظهر على منشورك، وكل مقطع يُعرض عليك بعد الآخر، ليس حدثًا عشوائيًا، بل نتيجة تصميم دقيق هدفه إبقاؤك داخل المنصة أطول مدة ممكنة.
ومع مرور الوقت، تتشكل عادة يصعب كسرها؛ إذ يصبح التحقق من الهاتف فعلًا تلقائيًا، ويتحول الفراغ القصير إلى فرصة للتصفح، ويصبح الصمت مزعجًا، بينما تغدو الشاشة الملاذ الأول لكل لحظة انتظار أو ملل.
وهكذا، لا يُسرق وقت الإنسان دفعة واحدة، بل يُستنزف على هيئة دقائق متفرقة، تتراكم حتى تتحول إلى سنوات من العمر.
غير أن الخسارة لا تقتصر على الوقت.
فالانتباه هو بوابة التفكير، وإذا فقد الإنسان السيطرة على انتباهه، أصبح أكثر قابلية للتشتت، وأضعف قدرة على التركيز، وأقل استعدادًا للتأمل والنقد والتحليل.
ولهذا لم تعد المنافسة الحقيقية بين المنصات على جودة الأفكار، بل على شدة الإثارة. فالمحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو الجدل ينتشر أسرع من المحتوى الهادئ، لأن العقل يستجيب للانفعال قبل استجابته للعقلانية.
ومن هنا بدأنا نعيش في بيئة معلوماتية تُكافئ الضجيج، وتُهمش العمق، وتجعل سرعة التفاعل أهم من دقة الفهم.
ولعل أخطر ما في اقتصاد الانتباه أنه لا يغيّر سلوك الأفراد فحسب، بل يعيد تشكيل الثقافة نفسها. فعندما يعتاد المجتمع على الاستهلاك السريع للمعلومات، تتراجع قيمة القراءة، ويضعف الحوار، وتصبح الأفكار المعقدة عبئًا على عقل اعتاد الاختصار والإثارة.
وفي مجتمعاتنا العربية، تتضاعف خطورة هذه الظاهرة. فما زالت ثقافة التحقق من المعلومات ضعيفة، وما زالت التربية الإعلامية محدودة، الأمر الذي يجعل كثيرًا من الناس عرضة للشائعات، وللاستقطاب، وللتلاعب بالعواطف تحت ستار الأخبار أو الخطابات أو المحتوى الترفيهي.
إن أخطر ما يمكن أن تخسره أمة ليس ثرواتها، بل قدرتها على التفكير المستقل. فالأمم التي تفقد سيادتها على وعيها، تصبح أكثر قابلية لأن تُقاد من الخارج، حتى وإن ظنت أنها تختار بحرية.
ولذلك فإن استعادة الانتباه ليست رفاهية، بل ضرورة حضارية. تبدأ من إدراك أن الوقت ليس المورد الوحيد الذي نحميه، بل إن وعينا نفسه يحتاج إلى حماية. وأن كل دقيقة نقضيها في استهلاك لا يضيف معرفة أو قيمة، هي جزء من رأس مالنا العقلي يتآكل بصمت.
إن التكنولوجيا في ذاتها ليست عدوًا، فهي من أعظم منجزات الإنسان، لكنها تتحول إلى أداة للهيمنة حين نستخدمها بلا وعي، وحين نسمح للخوارزميات بأن تحدد لنا ما نفكر فيه، وما نهتم به، وكيف ننظر إلى العالم.
إن معركة المستقبل لن تُحسم فقط في ميادين الاقتصاد أو السياسة، بل ستُحسم في قدرة الإنسان على حماية انتباهه من الاستنزاف، وعقله من التشتيت، ووعيه من التوجيه الخفي.
فالحرية لا تبدأ بحرية التعبير، بل بحرية الانتباه. ومن يملك انتباهه، يملك قراره. ومن يملك قراره، يملك مستقبله.
وفي المقال القادم: “سيكولوجية الصدمة… لماذا تُفضّل الخوارزميات الخوف على الحقيقة؟”

