من غرائب الرسائل التي تصلني ، جاءتني رسالة من صديق متابع زاد سنه عن الثمانين أطال الله في عمره ، يحكي لي ما لم يكن في حسابات المصريين من زمن غير بعيد ، قال لماذا جئنا للحياة ، أفقط لنعمرها بالبنين والبنات ثم نكبر فإذا هم قد شغلهم عنا حالهم ، والغريب أن حالنا لم يشغلنا عنهم يوم أن كنا شباباً مثلهم ، فأنا بعد ذهاب سنوات شبابي ، وغمر الشيب رأسي وبعد أن فقدت شريكة حياتي ، وجدتني أجلس في حديقة بيتي وحيداً مع الجرائد وكأني في إنتظار الموت ، فقد تفرق الأبناء الخمسة البنات تزوجن ممن أخذ كل منهما إلى دولة يعمل بها ، والأولاد رحل كل منهم إلى أوربا وإلى كندا للعيش الرغد علماً بأني لم أستجب للعيش في أوربا ، عندما كانت الفرصة جد سانحة لي ورفضت ، متعلقاً بوجود أسرتي في القاهرة وعظام آبائي في أرضها ، وقد طُلب مني إحضار الزوجة والأبناء رفضت أن أخلع زرعة من بيئتها وأزرعها في بيئة جديدة غريبة ، وقررت العيش بجانبهم حتى أتم تربيتهم في البيئة الملائمة لهذا الزرع ، فهل كنت على خطأ يا دكتور ، وهم الذين قد رحبوا بأن يخلعوا ناتج زراعتهم من أرضها لكي تغرس في غير أرضها ، وتنمو في غير بيئتها فهل ستنمو بذات الجودة يا دكتور كما لو كانت تنمو في أرضها ومناخها ، ماذا حدث في التفكير في عقول الأبناء ، وعندما أضيق من وحدتي أذهب إلى إبني الأكبر الذي يعيش في كنَدا ، فأجد أن الأمور لم تتغير فأنا كذلك أجلس في حديقة البيت وحدي فالجميع إنشغلوا بحالهم عني ، فقررت ألا أغادر بيتي إنتظاراً لضيف سوف يأتي ويأخذني إلى حيث ذهبت من شاركتني حياتي على الأرض بحلوها ومُرها ، فما قولك يا دكتور في هذه الأمور ، وأنا أحترم تناولك لمواضيع قد لا يتناولها غيرك ، شكرته على ثقته بي وتمنيت ألا أُحرم من صداقته ووده ، قلت له هذا الموضوع يا صديق يعيشه تقريباً الجميع ، ومن الرسائل التي تأتي لي تقول بعض الأمهات وكذلك بعض الأباء ، أن أولادي كانوا لا ينقطعون عن بيتي ليس وداً فقط بل لحاجتهم إما للمال ، أو أن البنات والأولاد يأتوا لي بالأطفال الصغار لكي أرعاهم حتى يعودوا من أعمالهم ، ويأخذوا أطفالهم وينصرفوا ، والغريب بعد أن تحسن الوضع المالي لهم وبعد أن كبر الأطفال ، لم يعدوا في حاجة لي ، وزيارتهم اليومية أصبحت أسبوعية ثم شهرية ثم إنقطعت تماما إلا في المناسبات ، وأصبح التليفون من النادر أن يرن في بيتي من أحدهم ، ولا يأتي لي إلا من أتصل أنا به وألح عليه أنه قد أوحشني ، والغريب أن كثير من الأبناء ليسوا في بلاد بعيدة كأبنائك ، بل يعيشون ويعملون في ذات المدينة ، بل البعض قد يسكن في ذات الحي ، وأنا شخصياً كنت أريد أن أبني بيتاً صغيراً لي ولأبنائي الإثنين حتى يتزوجا بجانبي ولا يفارقاني وأمهما ، ولكن الأكبر مني سناً والأكثر كذلك مني خبرة ، أقنعني ألا أفعل فكثير من الخلافات تحدث من مثل هذه الأفكار ، ويجب أن أترك كل من الأبناء يعيش بإختياراته لمكان حياته ، وفعلاً إشتريت فيلا لإبني الكبير في منطقة كطلب زوجته حيث أباها وأمها فيلتهما في هذه المنطقة أيضاً وتزوج هناك ويعيش بعيداً عني ، أما الإبن الأصغر فعندما حان ميعاد زواجه لم أكن أملك مالاً يكفي لشراء فيلا له كما أخوه ، ورفضت أن يعيش في مستوى أقل من أخوه ، فتنازلت عن فيلتي الأنيقة ليتزوج فيها ، ورجعت لكي أعيش مع شريكة حياتي في شقتي في روكسي بمصر الجديدة ، التي بدأت فيها حياتي معها من البداية ، ومازلت حتى الأن أعيش فيها ، ولكن كتاباتي تشغلني دائماً وكذلك كتبي ، فالحمد لله أصبح في مكتبتي الأدبية وليست العلمية في تخصصي كُتباً ، متنوعة بين “وقالت لي أمي” ، وآخر “وقال لي أبي” ، وثالث “وقال لي أستاذي” ، إلى جانب كُتباُ في “الشعر” و “القصة” و “آخر الكلام” و “مذكرات أستاذ جامعي” و”أحسن الكلام” ، قصصت لكَ هذا حتى تعلم أنك لست الوحيد الذي يعيش وحيداً ، وكذلك لكي تبحث عن ما يشغلك في أوقاتك والكتاب والقراءة خير ونيس وجليس ، أما الجلوس بحثاً عن زراعات كنت قد أنفقت عمرك في زراعاتها فهذا شيئاً لاطائل من وراءه ، عليك أن تدعو لهم بالتوفيق وبالخير ، وتطلب منهم بود وليس بأمر عندما تسمح ظروفهم ، أن يأتوا لك حتى تتمتع بهم وبأحفادك ، سيدي الفاضل هذه مفردات جديدة لحياة لم نتعود عليها ولم نعش مثلها مع أبائنا وأمهاتنا ، ولكن فرضتها الظروف التي إستجدت في الحياة ، وكذلك الطموح الذي سيطر على النفوس ، وشيء آخر لن أقول عنه إسمه الحقيقي ألا وهو الجحود.
فالحمر المستنفرة قد تطاولت عليها لأنها فرت من قسورة والقسورة الأسد للذين لا يعرفون معناها وبعثت لي إحتجاج لأنني أستخدمت صورة لها وهي تنظر مذعورة لأسد يأكل واحدا منها وقالت في إحتجاجها نحن بين الفينة والأخرى نقوم بالهجوم على الأسد وننقذ الفريسة من بين براثنه..
وقبل ان أكمل قراءة إحتجاج الحمر وصلني جواب شديد اللهجة من النعام لأنني جعلته مضرب مثل للجبن ونعته بأنه يدس رأسه في التراب..وتلفت جانبي فوجدت إستدعاء لسفيري في الغابة من قبل الذئاب والضباع لنعتي لهم بأنهم غدارون وخونة..
و توالت الإحتجاجات من أغلب حيوانات الغابة لأنني تجرأت عليهم بقولي بأنهم يأكلون بعضهم بعضا، وشد أنتباهي إحتجاج طويل وكان مشترك التوقيع من حمير الوحش والأفاعي وكان به كلام موجع، أحتجت حمير الوحش على وصفي لها ونعتها بالغباء، أما الأفاعي فهي تحتج على وصفي لصوتها بالفحيح ونعتها بأنها متربصة..
تحيرت في الأمر وقررت سؤال كل محتج فصدمتني الردود..
الحمر الوحشية قالت نحن أشجع منكم ياعرب ففرانا كان من أسد وأنتم تفرون من..وغادرت ولم تكمل..
والنعام نفش ريشه وحاول الإعتداء علي وقال: إذا كنا نحن جبناء فأنتم الأجبن نحن دسسنا رؤوسنا في الرمال أما أنتم فقد تمرغتم في وحل الجبن وتجرعتم الخوف وأرتويتم بماء الخبال..وجاء ذئب وهو يعوي بعواء له معنى وفيه إستهزاء وقعد قبالتي وكشر عن أنيابه ليفترسني لكن الضبع نهاه عن ذلك وقال له ضاحكا: دعه فقد وهبناه طعاما لغيرنا فنحن لا نأكل الجبناء خوفا من أن نجبن ونتخاذل..فرد الذئب: أحسنت أيها الضبع فهذا أهون من ينظر إليه..
وقبل أن أغادر المجلس جاء حمار الوحش راكضا ولولا عقله لرفسني لكنه أدار لي ظهره وضرط في وجهي ونهق ونكس وقال: من الذي بلا عقل أنا أم أنت أيها العربي الذي يرتمي في حضن عدوه وهو يطلب الأمان..وتسللت أفعى ضاغطة وأخرى سامة وألتفتا حولي وقالتا لن نبرح حتى تخبرنا هل صوتنا الفحيح أم تصريحاتكم حول ما يجري في غزة..
خجلت من نفسي ومن كتاباتي ووصفي وقلت : بكل صراحة أعلن لكم عن أسفي وأعاهدكم بأن يكون وصفي بعد اليوم لكم بأنكم الأجدر منا بالحياة وأنكم أنتم الأشجع والأعقل والأوفى ..وهمست للأفعتين بفحيحي وقلت: إني أعترف بضعفي ووهني، فقالت إحداهما للأخرى وهما يخففان من إلتفافتهما حولي: دعيه فهو ميت، فردت الأخرى: إنه يتحرك ويتنفس، فضحك الجميع ورددوا بصوت واحد: وهل الحياة حركة ونفس فقط..دعوه..دعوه..فهو ميت وغادروا وهم يرددون: دعوه..دعوه..فهو عربي ميت..وكان الذئب يحرك ذنبه راقصا وهو يضحك ويردد: عربي ميت..ميت..ميت..والضبع يقول له هازئا :ياويلك سوف يستنكر ويشجب ويدين وسوف يستعدي علينا مجتمع الغابة الذي هو نحن..وقال حمار الوحش: ومن عقله الكبير يظن أننا سننصره..والتفت النعام: فصرخ انظروا إليه فقد دس كل جسمه في التراب..فقالت الأفعى: دلوا النسر على قبره فهو يتلذذ بالجيف المنتنة.