( بقلم : الدكتور حاتم جوعيه – المغار – الجليل – فلسطين )
. الأمُّ هي عنوانٌ ورمزٌ للتضحيةِ والعطاءِ والفداء…تسهرُ الليالي وتكرِّسُ كلَّ وقتها لأجل بيتها وأسرتها وللعنايةِ بأطفالها وتربيتهم حتى يكبروا ويستطيعوا أن يتكلوا على أنفسهم ويتابعوا مشوارَ الحياة لوحدهم . ولكن الأم تبقى بفكرها وقلبها وروحها ووجدانها وكل طاقاتها مع أولادها كلَّ الوقت..حتى بعد أن يكبرَ أولادُها ويتزوَّجُوا ويصبحَ لديهم أولادٌ وأحفادٌ أيضا . ومهما تحدَّثنا عن مناقب الأم وميزاتها ودورها العظيم ( أسريًّا واجتماعيًّا وإنسانيًّا ) فلا نستطيع أن نعطيها حقها…إنها المدرسةُ الأولى بكلِّ معنى الكلمة . فكلُّ نجاح وإنجاز وإبداع يحققهُ شخصٌ ما في حياتهِ يرجعُ الفضلُ إلى الأم لأنها هي التي تنيرُ السُّبل لأبنائها وترشدُهم وتوجِّهُهم للطريق الصحيح وتوصلهم لشط الأمان وتعلمهم كيف سيخوضون معتركَ الحياة بعزيمةٍ وإصرار وينتهجون المسارَ والمسلكَ المُكللَ والمترع بالمحبَّة والأمل والتفاؤل والسلام والمُضَمَّخ بأريج الفرح والسعادة والهناء . ولم يخطىء نابليون بونبارت عندما قال : ( ” الأم التي تهزُّ السرير بيدها اليمنى ستهزّ العالمَ بيدها اليسرى ” ). وهنالك الكثير من الأمثلةِ والنماذج الرائعة لرجال عظام أفذاذ وعلماء جهابذة في شتى المجالات : العلمية والثقافيَّة والسياسيَّة والأدبيَّة والفنيَّة هزُّوا العالمَ بالفعل وقدَّموا الإنجازات الرائدة والمذهلة للإنسانيّة والبشريَّة جمعاء . ويرجعُ الفضلُ كله في هذا المضمار إلى أمهاتِهم الماجدات الفاضلات اللواتي مَهَّدنَ السُّبلَ والمجالات أمامهم وفرشن الدروبَ والطرقات بالورود وبالدعاء والصلوات ليصلوا إلى ما وصلوا إليهِ من مراتب سامية . فكانت الأم التي هزَّت السرير لابنها وهو صغير هي التي جعلت منه رجلا بكلِّ معنى الكلمة فربَّتهُ منذ الصغر وعلمتهُ وثقفتهُ وقد هزَّ العالمَ عندما كبرَ بما قدَّمهُ من إنجازات عظيمة وأعمال خالدة .ومن هذه الأمثلة : هنالك عالم كبير ومخترع مشهور وعندما كان هذا العالِمُ طفلا في المدرسة الإبتدائيَّة كان يتمتعُ ويتحلَّى بذكاء خارق يفوقُ الطبيعة البشريَّة ممَّا أذهلَ المعلمين والإدارة في المدرسة الذين لم يستطيعوا استيعاب وإدراك قدراته العقليَّة والذهنية الخارقة فقرَّرُوا فصله من المدرسة. وتوجَّهت معلمتهُ إلى أمِّهِ في البيت وقالت لها : إنَّ ابنكَ غير ملائم أن يبقى في المدرسة لأنه لا يستطيعُ أن يتجاوبَ ويتكيَّفَ ويتأقلمَ مع أسلوب وجوِّ التعليم فيها ويجب أن تهتمِّي به أنتِ فقط لأنكِ أمه وستقومين على تعليمه وتدريبه بنفسك . وقد أدخلت هذه المعلمةُ وطاقمُ المعلمين والإدارة في المدرسة،منذ البداية،إلى عقل وفكرهذا الطفل أنهُ غيرُ ملائم للتعليم وأنه طالبٌ فاشل ولا يصلحُ لشيىء. ولكنَّ هذه الأم احتضنت طفلها وكرسَّت كلَّ طاقاتِها وجهدها ووقتها لهُ وعملت على تعليمه وتثقيفه بنفسِها،فأنهى دراسته للمرحلةِ الأبتدائيَّة والثانويَّة والجامعيَّة بعد ذلك بامتياز بفضل ذكائهِ المُميَّز وقدراته العقليَّة والذهنيَّة الخارقة واستيعابه الذي لا يتخيلهُ العقلُ البشري ..هذه الموهبةُ والميزةُ التي وهبهَا لهُ الخالق . وأصبحَ عالما كبيرا ومخترعا فيما بعد وقام بانجازاتٍ رائعة وخالدة في مجال العلوم والإكتشافات . ويرجعُ الفضلُ إلى كلِّ ما وصلَ إليهِ هذا العالم إلى هذه الأم العصاميَّة العظيمة والرائعة التي عملت على تربيتهِ وتعليمه وتثقيفة وسهرت الليالي من أجله حتى وصلَ إلى ما وصلَ إليه من مكانة ومنزلة عالية وسامية .
ولقد صدق شاعرُ النيل ( حافظ ابراهيم ) الذي قال في الأم :
هديتي لكل امرأة عفيفة طاهرة شريفة هي امي و أختي و زوجتي و بنتي و أم بيت ترعى زوجها و اطفالها و تخاف خالقها في ذكري عيدهن المبارك السعيد كل عام و انتن بخير …
♠ ♠ عاشت حياة كلها سعادة معه أو قل خالية من الأحزان ، حتى عندما فقدت الأم ثم الأب لم تشعر بالغربة لوجوده معها ، ولوجود أبناءها الذين كانوا السند والمعين مما سهل عليها الأحوال والأحزان ، وكانت رغم تجاوزهما السبعين من العمر ، دائماً ما كانت تترك غرفتها إلي غرفته وتأوي إلى فراشه وتنام بجانبه وتقول له إشتقت لك وكقطة تشعر بالأمان في حضن من تألفه كانت تفعل ، وظلت الأيام تدور بينهما هكذا ، ودائماً يأتي الأولاد والأحفاد في نهاية كل أسبوع ليمتلىء البيت بالضجيج المحبب للنفس ، ويعامل زوجته أمام الأبناء بكل إحترام حتى يتعلم الأبناء منه كيف تُعامل الزوجات ، وفي بعض الأوقات تقول له تعالى نذهب إلى النادي فيعتذر لحبه في البقاء في البيت وبين كتبه يجد السلوى ، وكان هذا يضايقها أن تذهب إلى النادي بمفردها ، وتأتي وتقص عليه قصصها مع بعض من عرفتهم في النادي فيقول لها لو كنت معكِ ما تمتعتي مع صديقاتك ، وكثير ما كانت هي تلبي له كل طلباته حتى أنها كانت تقول له ماذا سيكون حالك لو لم أكن موجودة ، وهو يبتسم ويقول لها ربنا لا يحرمني منك ، ولا أبقى في الدنيا بعدك ، وإذا وضعت له الطعام أو أتت له بدواء كان قوله دائماً لها شكراً يا هانم ، وكان شديد المجاملة لها حتى وهما على مائدة الطعام ، فيقول لها لقد تناولت الطعام في أفخر مطاعم في العالم ولم أجد جمال طعم الطعام الذي بيدك تصنعيه ، وكانت تصدقه فقد يظن البعض أنه يستطيع أن يلعب بعقل الأنثى وهذا مناف للواقع فالنساء قد يتظاهرن لك أنهن يصدقن الكاذب إذا كذب عليهن ، ولا يعلم أنهن أكثر ذكاء منه ، وبطل القصة قد عرف النساء من أغلب الأجناس والديانات و جدهن قد يختلفن في الجنسية أو الدين أو اللون أو اللغه ولكنهن يشتركن في أمر واحد هو الذكاء وحساسية المشاعر والإدراك ويعشقن الصدق والرجل الصادق ، فكان مع زوجته هكذا دائماً إحتراماً لعقلها ولنفسه ، وفي يوم من الأيام وبدون سابق إنذار منه رحل عنها ، وأصبح البيت حولها فارغاً من الحياة ، لم تكن تجد لها متعة إلا بالوقوف طويلاً أما صورته الكبيرة والجليلة في بهو البيت ، تتأمل الأيام الجميلة التي عاشتها مع ذلك الإنسان الراقي والذي لم يتجاوز حدوده معها وإذا زاد الأمر منه ، كانت الزيادة في الإحترام والتقدير لشريكة الحياة ، وخفت أرجل الزائرين بالتدريج من البيت ، فقد كان الكل يقدر قيمة وقامت هذا الرجل ولما رحل رحلوا معه ، والغريب أنها فقدت الرغبة في الذهاب إلي النادي التي كانت تلومه لعدم مصاحبته لها ، وأصبحت تقول لنفسها وكأن الدنيا كانت في صورة هذا الرجل ، فلما ذهب ذهبت الدنيا معه وأصبحت تشعر بالغربه بدونه ، وتقول ما هذا الرجل الذي كان لي حياة ، كل شىء حولها تغير برحيله وأصبحت تترحم على أيامه ، والغريب أنها تركت غرفتها وكانت تنام في غرفته وفي سريره وتقول لمن يسألها ، أنا أأنس بالنوم في فراشه وأستشعره معي ، أصبحت الأيام بطعم غير الطعم الذي كانت عليه وهو معها في الحياه ، والأغرب أنها زهدت الخروج من منزلها ورفضت أن تذهب لبيت أحد الأبناء رغم الإلحاح عليها ، وضُرب بها المثل في الإخلاص لرجل عاش معها وأتقى الله فيها وكان الزوج والأب والصديق ، جاءتها مرة جاره لها وأخبرتها أن إبنتها في خلاف مع زوجها وتطلب من أبيها أن يطلقها من زوجها ، نظرت إليها وسألت فقط سؤال واحد كم عمر زواجها من ذلك الرجل الذي تريد الإنفصال عنه قالت عامان ، قالت فقط عامان وتطلب الطلاق وأنا بعد زواج أكثر من أربعين عاماً ، أشعر بالغربه بعد أن رحل زوجي ماذا أسمي هذا الزمان ، أو ماذا أسمي سكان هذا الزمان ، وظلت تهز رأسها ولا جواب لديها إلا سبحان مخير الأحوال ولا يتغير بأي حال.