ادمنت حتى الثمالة عشقك .بحثت عن أوقات الوصال، رسمت ضياء وجهك ذاك الجبين المرصع بالياقوت. انتحل صفة تلميذ في مدرستك وتجاعيد الزمن خطفت كل جميل فلا تطفئ ناره يجلس على طروادة الشعر ليرابط على التخوم والثغور. مرهقا. تراقب القادمين إلى الشرق. فالصبح بدأ بأحسن حالاته، تكتب للنشء الجديد ويزهر الربيع عشقا والفرقة تفترش الحدائق. تبحث عن النشاتين. وقد بسطنا يدينا. قلت فيها : قلبي وروحي انت وانا الان الوفي للثرى والبحر لتعانق الأرواح وتنير الشموع وهجا للأمل.، لتشير بما توحيه الشرائع. أسأئلها عني واطلبها علانية في قصور قرطبة وقرطاج وحدائق بابل وسور الصين. اتصل بزحل وعطارد لعقد ارتباطي السماوي حيث الحقيقة. مدينتي زنبقة الحب ونور الشمس وملحمة الشرق حين ابصرتها ارتديت زرقة البحر وجريت على رمالها أمضي شقاوة الصعاليك بين مد وجزر هاربا من سنارة الصيد بعد أن حولت بحور الشعر لروافد الإبداع ليشكل السمك قافية خاصة في أبوابها الفريدة. اطرق باب الحديد لصقل حروفي وباب الجنان لابصر بنظارتي سحر العيون والطبيعة لاحصل على مقعد دائم في مجلسها لافوز بعضوية العاشق المنتظر هيأت لها ملفات تفوح بالانتماء. بينما رصدتها تستحم ببردى لتنهل من عين الفيجة فلا ابرح مكاني وبرك المأساة تشير لمن عصى وتقرأ السور اذا زلزلت الأرض فتجيبك الشهباء بالنفي والمناجاة ليشتد الخناق حيث الحقيقة تقتل بصرهم فلا يستفيق وهو المغيب عن البشر ليأتي الديك صائحا في الناس وانا وقعت بالادمان لتنهال الأسئلة فهل من مجيب هل تعاطيك معها لم يعد ممتعا وتشعر بالنشوة أم من الصعب أن تتخيل الحياة وتعيش عالمك الخاص اوتصاب بالتوتر وتضع حدا للتجربة. فلقد ادمنت لدرجة الهيام وسالتحق بمركبتها هنا الشهباء نمضي أحلى الأوقات في مقاهيها وساحاتها نقرأ روائع الشعر نصلي في المساجد والكنائس كي نمنع تساقط القذائف والحرائق وبحر الدماء يسقي تراب الشهباء وهي تردد صبرا أحبتي فلقد ادمنت حبك ياشهباء
رائحة التبغ العجمي والعربي والأجنبي تختلط مع بعضها..تتشكّل منها سحباً بيضاء فوق رؤوسنا …لاتكاد ترى وجوه العابرين والحاضرين ..كذلك تختلط اللغات كما الأحلام والألام والأمال ..حقائب منها الكبيرة والصغيرة ..
أنظر إلى تلك الوجوه ..أتفحّصها بصعوبة ..وتلافيف دخان تبغ تحرق عيوني ..أخرج منديلاً من حقيبتي الصغيرة ..أمسح دموعاً تزعجني ..والنادل الحاذق يطوف بأكواب الشاي السبلانيّ والقهوة البرازيلية على زبائنه العابرين إلى أماكن إقامتهم ..
في هذا المقهى تقليد غريب ..وفي هذا المقهى وفي هذا اليوم الاول من العام الميلادي ..يجتمع فيه الغرباء ..يحتسون قهوتهم والشاي ..يفتحون حقائب أوجاعهم وقليلا من أفراحهم ..وكأن هناك تميمة تجمعهم ..ولو بعُدت أماكن إقامتهم ..
تُرى أهو سحر الشتاء وأمطاره..؟.
أم صوت هدير نهر الدانوب ..ونغم موسيقى صاخبة ..أم هدير وغزارة تدفق ماء هذا النهر العظيم ..
أم هو عطر باريسي معتّق ..كما النبيذ في براميله الخشبية ..وأقبية عشق أسطورية ..
على هذه الطاولات القديمة .. أبحث عن نفسي ..أسألها عن عيد الكلمات والورد ..أسألها عن أمنياتي المعلّقة على أجراص الكنائس وأكواب الشاي والقهوة .. وصديق أجتمع به من عدة سنوات ..يحجز لي كرسياً إن تأخرت ..كذلك أفعل إن تأخر ..تربطني صداقة وألفة فريدة ..نجلس حتى الفجر ..نتمتم بكلمات ولغة لا نفهمها ..نضحك قليلاً ونبكي كثيراً ..أخوّة بدون حليب أمهات ..وصداقة بدون تاريخ وذكريات ..وأحلام عابرة .. ونفترق حين بزوغ الشمس ..إلى يوم ٱخر وعامٍ جديد ..
سنحضره بالتأكيد ..والمقهى هو ..هو .
وكذلك النادل الذي بات يتودّد إلينا ..يضحك معنا فرحاً بضحكتنا ..وتدمع عيونه لبكائنا .. يرفض أن يقبض ثمن قهوتنا وكوب الشاي ..يعتذر ويعتذر ..بلغة كذلك لانفهمها ..
ويبقى موعدنا معه على نفس الطاولة والمقهى ..وتدفق ماء نهر الدانوب وغزارته ..والعطر الباريسي العجيب.
بالأمس وقفتُ على شاطئ الحياة أرقب ُ ما يجري هناك فوجدت على الشاطئ سفينةً ترسو وشاهدت ُ رجلاً عجوزاً يستعدُّ للصعود اليها وقد تثاقلت خطواته ومال نحو المغيب
كان يحمل في حقيبته الممتلئة عدداً لا حصر له من الصور وفي خياله العديد من الذكريات
سألته عن مقصده فأجاب أنا ذاهبٌ الى الشاطئ الآخر (شاطئ الموت ) لأدفن فيه نفسي وما تحويه حقيبتي
والقى حقيبته صوبي طالباً مني مشاهدة صورها
قلبت الصور فشاهدت فيها من عرفتُ ومن لم أعرف
أماكن وأشخاص وأشياء وكلها صارت عيناً بعد أثر
مشاهد للدمار لا حصر لها وجثثٌ مدماة ملء الصور منهم بعض أحبتنا ومنهم من أهالي بلدتنا وكلهم من أهلنا
الذين عشنا معهم وتقاسمنا معهم لقمة العيش
ووجدت سفينةّ أخرى لتوها وصلت تحاول أن ترسو على الشاطئ وعلى متنها شابٌّ في مقتبل العمر قوي البنية مفتول العضلات تعلو وجهه ابتسامةٌ لايحمل في يده حقيبة وهو يهمُّ بالنزول الى الشاطئ
سألته أيها القادم من بعيد ما ذا أحضرت معك لنا وأين هي حقيبتك ؟
فقال بزهوٍّ أنا أحمل في خيالي لكم كمّاً هائلاً من الأماني والأحلام
قلت له وانا أودع الذاهب الى الموت :
أخشى أن نودعك بعد مرور الأيام بنفس الطريقة التي نودع فيها هذا العجوز المثقل بالأعباء
نظر اليَّ بوجهٍ طافحٍ بالبشر والأمل وقال:
ضع ثقتك بالله وانظر اليّ من خلال ثقتك بالله لعلُّ
الله بُحدث بعد ذلك أمرا
عدت من الشاطئ والبرد ينخر في عظامي وصور المأساة تلاحقني لكن شعاعاً من النور يسير أمامي يخفِّفُ عني آلامي ويمنحني ثقةً من الله بهذا الشاب القادم