كيف ومتى همش الشاعر : من صوت الأمة إلى زينة المشهد .. بقلم الكاتب محمد توفيق رحال

كيف ومتى ولماذا هُمِّش الشاعر: من صوت الأمة إلى زينة المشهد

مقدمة

في سوق عكاظ، كان الشاعر يقف على منصة، والناس حوله صامتون. لم يكن صمتهم احتراماً فقط، بل كان حاجة. كانوا ينتظرون منه أن يقول ما لا يستطيعون قوله: فخرهم، تاريخهم، ألمهم، أملهم. كان الشاعر في ذلك الوقت الصوت الوحيد في فضاء لا أصوات فيه. لم يكن يحتاج إلى منبر، لأنه كان المنبر نفسه.

اليوم، الشاعر يقف على رصيف. حوله ملايين الأصوات: شاشات، منصات، إعلانات، أخبار، تسلية. لا أحد ينتظره. لا أحد يحتاجه. وحين يُستدعى، يُستدعى زينةً: يُجمّل مشهداً لا يُغيّره، يُقال اسمه في مهرجان ثم يُنسى. بين المنبرين قرون، لكن الفرق ليس في الزمن، بل في البنية: بين أمة كانت تحتاج شاعرها، وبنية لا تحتاجه إلا زينة.

هذه المقالة تطرح ثلاثة أسئلة صريحة: كيف هُمِّش الشاعر؟ ومتى بدأ ذلك؟ ولماذا حدث؟ ثم تطرح سؤالاً رابعاً لا مفر منه: ما الذي يبقى للشاعر حين لا يبقى له موقع؟ والفرضية المركزية التي تربط الأسئلة كلها: المشكلة ليست في الشعر، بل في الشروط التي كانت تحتاجه ولم تعد. والتهميش لم يكن حادثاً عابراً، بل عملية تراكمية اكتملت في القرن العشرين، وتعمّقت رقمياً في القرن الحادي والعشرين حتى صار يُفسد الإبداع نفسه، لا يظلم الشاعر فقط.

تنبيه منهجي: هذه المقالة لن تقدّم حلاً. ستقدّم تشخيصاً، ثم إطاراً اجتهادياً للإصلاح، ثم أسئلة دائمة لا تُغلق. من يبحث عن وصفة سحرية لن يجدها هنا، لأن الوصفة السحرية نفسها هي ما ننتقده.

المحور الأول: الشاعر قبل التهميش وظيفة لا مكانة

قبل أن نسأل كيف هُمِّش الشاعر، يجب أن نعرف من الذي هُمِّش. ومن الخطأ أن نختزل تاريخه في “البلاط”. الشاعر لم يكن في البلاط بقدر ما كان في الأمة. وجوده قرب السلطة لم يكن تبعية، بل كان موقع قيادة: هو حافظ الذاكرة، صانع الشرعية، ناقل القيم، مشعل الحماس، موحّد الجماعة. الملك كان يعبر، والشعر كان يبقى. من يخلّد من؟ الملك يحتاج الشاعر ليُخلَّد، لا العكس. السلطة كانت تعبر، والشاعر كان يبقى.

والدليل الحاسم على أن قوة الشاعر لم تكن من السلطة: شعراء الصعاليك. تأبط شراً، الشنفرى، عروة بن الورد كانوا خارج البلاط تماماً، متمردين على القبيلة والسلطة، ومع ذلك كانوا في قلب الأمة: صوت المهمَّشين، ضمير الجماعة، حاملو قيم الكرامة والحرية. لم يكونوا في البلاط، وكانوا أقوى حضوراً من كثير من شعراء البلاط. هذا يثبت أن قوة الشاعر كانت من علاقته بالأمة، لا من قربه من السلطة.

ولهذا كانت تقاس قوة الأمم بقوة شعرائها ليست مجازاً، بل حقيقة بنيوية. كان الشعر البنية التحتية الرمزية للأمة: كما هي اليوم الإعلام والتعليم والقانون مجتمعة. الشاعر لم يكن فناناً بالمعنى الحديث، بل كان مؤسسة بذاته. وسوق عكاظ لم يكن إعلاماً “يعمل بشق الأنفس” فقط، بل كان إعلاماً بلا بديل. الشاعر كان يُسمَع لأن لا شيء آخر يُسمَع.

الخلاصة الجزئية: قوة الشاعر لم تكن من البلاط، بل من وظيفته في الجماعة. وحين تفككت الجماعة، تفككت وظيفته. لم يسقط لأنه خسر البلاط، بل لأنه خسر الأمة التي كان يحملها.

المحور الثاني: متى وكيف بدأ التهميش؟ انتزاع الوظائف

متى بدأ التهميش؟

التهميش لم يحدث في تاريخ واحد، ولم يكن قراراً اتُّخذ في لحظة. كان عملية تراكمية على أربع مراحل:

المرحلة الأولى: مع الطباعة والتعليم انتُزعت من الشعر وظيفة حفظ الذاكرة. لم يعد الديوان وحده الحافظ للنسب والتاريخ والقيم؛ صار الكتاب المطبوع، ثم المدرسة، ثم المنهج. خسر الشاعر أول وظائفه: أن يكون أرشيف الأمة.

المرحلة الثانية: مع الصحافة والإذاعة والتلفزيون — انتُزعت منه وظيفة الإعلام. لم يعد الصوت الوحيد. صار الخبر يُنقل بغير شعر، والصورة تُغني عن الصورة الشعرية. خسر الشاعر وظيفته الثانية: أن يكون صوت الحدث.

المرحلة الثالثة: مع الدولة الحديثة والقانون المكتوب انتُزعت منه وظيفة التشريع والعلاقة بالسلطة. لم يعد الشاعر من يشرّع للحرب أو يوحّد القبيلة أو يمنح الشرعية. صار القانون المكتوب والمؤسسة الحديثة هما الفاعل. خسر الشاعر وظيفته الثالثة: أن يكون شريكاً في إنتاج الشرعية.

المرحلة الرابعة: مع المنصات الرقمية

انتُزع منه حتى احتكار الكلمة، ثم أُغرِق صوته في ضجيج لا نهاية له. خسر الشاعر وظيفته الأخيرة: أن يكون الصوت الذي يُسمَع.

اكتملت العملية في القرن العشرين، وتعمّقت رقمياً في القرن الحادي والعشرين. التهميش ليس حدثاً، بل مسار.

كيف هُمِّش الشاعر؟

هُمِّش الشاعر بثلاث آليات، لا آلية واحدة:

أولاً: انتزاع الوظائف واحدة واحدة. في كل مرة كانت مؤسسة جديدة تؤدي وظيفة كان الشعر يؤديها، كان الشعر يخسر موقعاً. لم يُطرد، بل أُعفي. وهنا المفارقة القاسية: حين كان الشاعر قائداً، كان أيضاً رهينة. قوته كانت قوة مُعارة، لا مملوكة. اليوم، حين سقط إلى التراب الجاف، صار حراً لكن حراً بلا جمهور، بلا تمويل، بلا سلطة. حرية قاسية: حرية من لا يسمعه أحد.

ثانياً: الإغراق لا المنع. لم يُمنَع صوت الشاعر، بل أُغرِق في بحر من المنصات. والفرق بين أن يُمنَع الصوت وأن يُغرَق الصوت جوهري: الأول يُقاوَم، والثاني لا يُلاحَظ. والإغراق هنا لا يصيب شاعراً واحداً ولا اثنين — بل ملايين الشعراء. وليس في هذا مبالغة: من ينظر إلى المنصات الرقمية يجد عدداً هائلاً من القصائد تُنشر يومياً، ومع ذلك لا يصل منها إلى الوعي العام إلا أقل من القليل. العدد الهائل نفسه هو الدليل: حين يصبح التهميش بهذا الحجم، فهو لم يعد سوء حظ فردي، بل نظام.

ثالثاً: الاستدعاء الزينة. حين يُستدعى الشاعر اليوم، يُستدعى زينةً: وظيفتها أن تُجمّل المشهد لا أن تُغيّره. والشاعر الذي يُستدعى ليُجمّل، يُستدعى بشرط ألا يقول ما يزعج. أي أنه يُستدعى ليكون غائباً وهو حاضر حضور شكلي، غياب فعلي. وهذا لا يحدث لشاعر واحد في مهرجان واحد، بل ظاهرة جماعية: مهرجانات تُستدعى فيها أسماء كثيرة، تُقرأ، تُصوَّر، ثم تعود إلى الهامش. العدد الكبير هنا ليس تفصيلاً، بل جوهر الحجة: الاستدعاء الزينة يحدث بالملايين، والتهميش يحدث بالملايين، والنمط نفسه يتكرر. الشاعر الفرد ليس حالة، بل عينة من قاعدة.

والفرق الجوهري الذي يجب ألا نغفله: شاعر الأمس كان داخل مشروع جماعي قائم يمدح لينهض بالجماعة، يشرّع للحرب، يوحّد القبيلة. كان يبني شيئاً خارج ذاته. شاعر اليوم لا مشروع له إلا نفسه. ومن لا مشروع له إلا نفسه، لا ينهض بأمة ينهار وحده. الأول يبدع داخل قالب. الثاني يبدع داخل فراغ والفراغ لا يُنتج نجوماً، بل يُنتج هائمين.

المحور الثالث: لماذا هُمِّش الشاعر؟ بنية السلطة والمال والإعلام

هُمِّش الشاعر لماذا؟ لأن البنية الجديدة لم تعد تحتاجه. السلطة تكفيها الإعلام، والمال تكفيه الدعاية، والجمهور تكفيه التسلية. الشاعر لم يُستبعَد لأنه ضعيف، بل لأنه غير ضروري لمن يدير المشهد.

ما يحضر اليوم ليس الشاعر، بل ما يخدم السلطة والمال. الإعلام موجود بكل أبعاده، لكن صوت الشاعر لا يُسمَع ليس لأن المنصة سُلبت منه، بل لأنها أُغرِقت. والفرق بين منع الصوت وإغراقه أن الأول يُقاوَم، والثاني لا يُلاحَظ.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: التهميش ليس عطباً في الشاعر، بل شرط مفروض عليه من خارج قدرته. لا وصفة تُلغي شرطاً لم تصنعه. وكل الوصفات السحرية” التي تُقدَّم للشاعر حوّل جرحك إلى نص، ابنِ فضاءً بديلاً، فكّك الخطاب المهيمن، احفظ الذاكرة، قاوم جمالياً — كلها تعمل كأن التهميش عطب يُصلَح بخطوات. لكن التهميش بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية، لا حالة نفسية يحلّها الوعي.

وهنا خطر يجب تسميته: خطر “الهامش المستقر”. حين يحوّل الشاعر الإقصاء إلى هوية إبداعية دائمة، قد يقع في فخّ: يصبح التهميش شرطاً لإنتاجيته، فيصير مستثمِراً فيه بدل مقاومته. هنا يتحول “سلاح الهامش” إلى قفص مريح. والمقاومة الرمزية فردية بطبيعتها، والتهميش بنية جماعية. الفرد قد يُنتج وعياً، لكنه لا يُغيّر شروط الإنتاج.

الخلاصة الجزئية: لا يوجد مخرج فردي من تهميش جماعي. ومن يدّعي غير ذلك يبيع وصفة أخرى. لكن هذا لا يعني ألا حل — بل يعني أن الحل جماعي: بناء منابر مستقلة، تنظيم نقابات، تحالف مع حركات أخرى، تمويل بديل، تعليم، أرشفة وترجمة. هذه ليست وصفة سحرية، بل عمل طويل بطيء بلا ضمانات. لكنها الشيء الوحيد الذي غيّر شروط التهميش تاريخياً.

المحور الرابع: الإثارة — الخصم الجديد

ما يسمّيه الإعلام “إثارة” ليس محتوى، بل آلية: صدمة سريعة، مكافأة فورية، تكرار مكثف، لا أثر باقٍ. الشعر بنيته معاكسة تماماً: بطيء، متراكم، يحتاج صبراً، أثره يتشكّل على مهل. لا يمكن للشعر أن ينافس الإثارة في ميدانها — لأنه لو فعل، لصار إثارة، أي لصار غير شعر.

والمفارقة أن الإثارة تفوز لأنها رخيصة: تُنتَج بسرعة، تُنسى بسرعة، لا تطالب المتلقي بشيء. الشعر خلاف ذلك: يُنتَج ببطء، يُقرأ بجهد، يُطالب بالانتباه. والإنسان — في زمن الإثارة — يهرب من كل ما يطالبه بجهد. فليس الشاعر مهمَّشاً فقط، بل الشعر نفسه غير قابل للاستهلاك السريع — وهذه ليست نقيصة، بل طبيعته.

لكن هنا يجب أن نكون صادقين إلى النهاية: لا يجب أن نلوم الإثارة فقط. الشعر أيضاً فقد قدرته على المفاجأة. لم يعد يصدم، لا لأنه أضعف، بل لأنه اعتاد أن يكون متوقعاً: نفس الصور، نفس اللغة، نفس المواضيع، نفس العلاقة المحفوظة مع القارئ. الإثارة تفوز اليوم لأن الشعر — في كثير من حالاته — لم يعد يُفاجئ حتى من يحبه. ومن لا يفاجئ، لا يُستمع إليه، لا في الإعلام ولا خارجه.

الشعر لا يحتاج إثارة رخيصة، لكنه يحتاج الصدمة الجمالية: اللغة التي تُربك، الصورة التي تُقلق، الفكرة التي تُهدّد يقين القارئ. هذا نوع من الإثارة أعمق وأبقى — لكنه لا يُنتَج بسهولة، ولا يُسوَّق بسرعة. المشكلة ليست أن الشعر لا يثير، بل أن الشعر لم يعد يجرؤ على إثارة ما يزعج. الإثارة السائدة تُزعج ولا تُقلق. الشعر يجب أن يُقلق.

المحور الخامس: تردي الشعر التهميش كسبب للإفلاس الإبداعي

هنا نصل إلى النتيجة الكارثية، وإلى قلب المقالة. التهميش لا يُنتج فقط شاعراً منسياً، بل يُنتج شعراً رديئاً بالجملة. لأن الشاعر حين يُقصى من وظيفته، يفقد معياره: من يكتب له؟ ولماذا؟ وحين لا يكون هناك جمهور حقيقي ولا مشروع، تصبح الكتابة استجابة لفراغ، والفراغ يُنتج تكراراً.

انظر إلى المشهد: كل يوم تُكتب ألف قصيدة، وربما مليون. كلها تحمل فكرة واحدة، نفس النمط، نفس الكلمات، نفس القالب مع بعض التغييرات: حب، شوق، حنين، وصف جسدي أو حركي، وبعض الموضوعات المكررة والمملة. هذا الكم الهائل ليس دليل حيوية، بل دليل غياب المعيار. حين لا توجد سلطة نقدية ولا جمهور يميّز، تصبح الكتابة نشراً بلا فلترة. والوفرة هنا ليست غنىً، بل تضخّماً: كلمة تُقال ألف مرة حتى تفقد معناها.

ولنأخذ نموذجاً نمطياً لا شاعراً بعينه، بل القالب الذي يتكرر: قصيدة تبدأ بنداء (يا حبيبتي)، تنتقل إلى وصف الشوق، تستعير صوراً جاهزة (الليل، البحر، الدمع، الغياب)، وتنتهي بسؤال بلاغي. أين الجديد هنا؟ أين المستقبل؟ أين الآخر الذي يفرض على الشاعر أن يقول ما لم يُقل؟ القصيدة لا تكشف شيئاً، بل تُعيد ترتيب ما قيل. وهي لا تُقرأ، بل تُستهلك: تُمرّ عليها العين كما تُمرّ على إعلان.

والموضوعات المكررة ليست اختياراً، بل نتيجة. الحب والشوق والحنين ليست مواضيع سيئة، بل مواضيع سهلة. والسهولة ليست في الموضوع، بل في غياب ما يفرض الموضوع الصعب: لا قضية، لا مشروع، لا جماعة تنتظر من الشاعر شيئاً. الشاعر حين لا يُطلب منه شيء، يكتب ما يُريح والراحة تُنتج التكرار.

ثم هناك الإفراط في استهلاك اللغة والمجاز والصور. هذا الإفراط ليس غنىً لغوياً، بل إفلاس فكري: حين لا تكون هناك فكرة تستحق اللغة، تُستهلك اللغة نفسها. الصورة التي لا تخدم معنىً تصبح زينة تماماً كما يُستدعى الشاعر زينةً. الشعر يقلّد وضعه: صار زينةً لنفسه. والنتيجة: قصيدة تُقرأ ولا تُترك أثراً، لأنها تُستهلك كالإثارة: سريعاً، وبلا بقاء.

وهنا يجب أن نعود إلى وظيفة الشاعر الحقيقية: ليست وصف الحاضر ولا تكريره، بل العبور نحو المستقبل. رؤية، شكل جديد، لغة لم تُقل، سؤال لم يُطرح. الشعر الذي يكرر الحب والشوق يكتب الماضي، لا المستقبل. ومن لا يكتب المستقبل، لا يُنتج إبداعاً يُنتج استهلاكاً: استهلاك اللغة، الصور، اللحظات، ووقت القارئ. اللحظات التي تُصرف على القراءة يجب أن تُعوَّض بأثر، لا باستهلاك. القصيدة التي تأخذ منك وقتاً ولا تترك أثراً هي سرقة مؤدبة.

لكن هنا يجب أن نكون دقيقين، وإلا صرنا نُبرّر: التهميش يفسّر التردي، لكنه لا يُبرّره. الشاعر المهمَّش مسؤول أيضاً عن ألا يكرر نفسه، عن أن يبحث عن شكل جديد، عن أن يخلق معياره بنفسه. التهميش شرط قاسٍ، لكنه ليس عذراً كاملاً. ومن يقول “أنا مهمَّش إذاً لا حيلة لي” يكرر منطق الوصفة السحرية من الجهة المقابلة. الإبداع يحتاج الآخر، نعم لكنه يحتاج أيضاً إرادة الشكل، وهي لا تُمنَح، بل تُبنى.

والربط الجوهري: التهميش لا يظلم الشاعر فقط، بل يُفسد الإبداع نفسه. لأن الشاعر المهمَّش، حين لا يجد من ينتظره، يكتب لنفسه ومن يكتب لنفسه فقط، يكرر نفسه. الإبداع يحتاج الآخر: جمهوراً، ناقداً، مشروعاً، مقاومة. بلا آخر، لا يوجد إبداع يوجد صدى. إذاً الحلقة المغلقة: تهميش → غياب المعيار → تكرار → تردٍّ → استهلاك → نسيان. وتردي الشعر ليس سبباً للتهميش، بل نتيجة له. ومن يريد شعراً أفضل، لا يكفيه أن يطالب الشاعر بالإبداع عليه أن يبني الشروط التي تجعل الإبداع ممكناً: جمهوراً، نقداً، مشروعاً، معياراً.

المحور السادس: حدود المقاومة الرمزية

كل ما يُقال للشاعر عن المقاومة يبدو جميلاً: حوّل جرحك إلى نص، ابنِ فضاءً رمزياً بديلاً، فكّك الخطاب المهيمن، احفظ الذاكرة، قاوم جمالياً. وكلها أفعال حقيقية، لكنها تبقى مقاومة رمزية. والتهميش، كما قلنا، بنية مادية واجتماعية وسياسية، لا حالة نفسية يحلّها الوعي.

والمشكلة الأعمق: كل هذه الأفعال تفترض وجود متلقٍّ. لكن التهميش غالباً يُنتج انعدام المنابر والتوزيع والترجمة والنقد. الشاعر قد يكتب أفضل نص مقاوم ولا يصل إلى أحد فيبقى الحضور النصي بلا حضور اجتماعي. والاعتراف، حين يُمنَح، يُمنَح من المركز: الجوائز والنشر والتصنيف الأكاديمي تُدار بآليات المركز نفسه. الشاعر المهمَّش قد يُقبل فقط بشرط “الترويض”: أن يُقرأ كـ”صوت الهامش” الذي يريح المركز، لا كصوت يهدده.

وحتى الفعل الفردي، مهما اتسع، لا يغيّر بنية توزّع الاعتراف. وهنا يظهر الفرق بين “الشاعر المقاوم” و”الحركة الثقافية”. الفرد قد يُنتج وعياً لكنه لا يُغيّر شروط الإنتاج. وهذا يدفعنا إلى الاعتراف الصادق: الشعر لا يكفي. لا لأنه ضعيف، بل لأن التهميش ليس مشكلة نصية تُحلّ بالنص. وأصدق موقف هو القول: لا أعرف ماذا أفعل وهذا ليس استسلاماً، بل رفض لتزوير الحلول.

المحور السابع: ما الذي يبقى؟ موقع غير الضروري

إذا كان كل ما سبق صحيحاً، فماذا يبقى؟ يبقى شيء واحد لا يلتهمه التهميش: أن يرفض الشاعر أن يكون مهمَّشاً في وعيه، حتى وهو مهمَّش في الواقع. أي أن يفصل بين الموقع الذي يُفرَض عليه، والموقع الذي يختاره لنفسه. الأول لا يملكه، والثاني لا يستطيع أحد انتزاعه منه.

وهذا يفتح سؤالاً أخيراً: من قال إن على الشاعر أن يكون مفيداً؟ منطق الفائدة ينتمي إلى خطاب المركز الإنتاجي نفسه. قد يكون التمسك بمعيار الفائدة استدراجاً لقياس الشاعر بأدوات مُقصِيه. وحين لا يُغيّر النص شيئاً، يبقى فعل الكتابة نفسه شهادة على أن أحداً لم يصمت. الشهادة ليست حلاً، لكنها رفض لمحو التجربة. وقيمة الشهادة لا تُقاس بالنتيجة، بل بحدوثها.

لكن غير الضروري خطر أيضاً. الخطر أن يتحول إلى عزلة مريحة: أن يقول الشاعر “أنا غير ضروري” ثم يجلس وحده يكتب لدرج، ويسمّي عزلته مقاومة. والفرق بين الرفض والاستسلام دقيق: الرفض أن تعرف أنك غير مطلوب وتكتب رغم ذلك. الاستسلام أن تقتنع بأنك غير مطلوب فتتوقف عن محاولة أن تُسمَع.

فما الذي يجعل غير الضروري حضوراً لا غياباً؟ أن يكتب مع آخرين، لا وحده جماعة صغيرة تكفي. أن يحفظ ذاكرة لا يحفظها أحد. أن يقول ما لا يُقال — ولو لم يسمعه أحد اليوم، فهو مكتوب. أن يبني شكلاً جديداً لا يخدم منطق الفائدة: نص لا يُسوَّق، لا يُكافئ، لا يُستدعى.

لكن هنا يجب أن نعترف بحدود هذا الموقع: “غير الضروري” هو حد أدنى للنجاة، لا إصلاح. النجاة لا تبني أمة. من يقف عند “أنا غير ضروري وأكتب” يكون قد نجا فردياً، لكنه لم يُغيّر شروط التهميش لأحد. والانتقال من النجاة إلى الإصلاح هو ما ننتقل إليه الآن.

المحور الثامن:

الإصلاح ليس فردياً — خطة أخلاقية شاملة، ومنهج مرحلي

8أ – الإصلاح خطة أخلاقية شاملة

كل ما قيل عن المقاومة الرمزية والموقع الفردي هو نجاة، لا إصلاح. والنجاة الفردية، مهما تكررت، لا تُنتج أمة. الإصلاح الحقيقي أكبر من فرد، وأكبر من جماعة قليلة. هو خطة أخلاقية شاملة تبني الأمة والدولة — بل قد تتخطى الأمة إلى العالم، لأن الأخلاق لا تعرف حدوداً.

ومن يتولاه؟ قادة الفكر، بوصفهم الأهل لذلك عبر العصور. أي أن الإصلاح ليس اختراعاً جديداً، بل استئناف لتقليد قديم: تقليد من حملوا مسؤولية الفكر والأخلاق في أممهم، وبنوا الشروط التي يصبح فيها للشعر وظيفة، وللفكر موقع، وللأخلاق سلطة. الإصلاح بهذا المعنى ليس مشروعاً ثقافياً فقط، بل مشروع إعادة إنتاج الشروط.

لكن هنا يجب أن نكون ناقدين لا مجاملين وهذا الطرح يحمل ثلاث نقاط هشة:

الأولى: من يعيّن “قادة الفكر”؟ إذا قلنا “الأهل لذلك”، فمن يحدد الأهلية؟ التاريخ مليء بمن نصّبوا أنفسهم “قادة فكر” وكانوا أدوات سلطة. الخطر أن تصبح “قيادة الفكر” نخبة جديدة تُقصي من لا يشبهها — أي تهميشاً بلباس الإصلاح. والشرط الوحيد الذي يمنع ذلك هو آلية مراجعة مستقلة: من يُقيّم القائد؟ بأي معيار؟ وهل يُقبل نقده؟ خطة بلا تقييم مستقل تصير سلطة جديدة.

الثانية: كيف تُبنى خطة أخلاقية شاملة في زمن لا سلطة فيه للأخلاق؟ نحن وصفنا زمناً تحكمه السلطة والمال والإثارة. فمن يملك أدوات تنفيذ خطة أخلاقية في هذا الزمن؟ الخطة بلا سلطة تنفيذ تبقى نصوصاً جميلة. وهذا هو الفخ الذي وقع فيه كل مصلح. والجواب الصادق: لا نملك ضمان التنفيذ. نملك الشروط، لا النتيجة.

الثالثة: ما موقع الشاعر من الإصلاح؟ إذا كان الإصلاح شاملاً، فأين يقع الشاعر فيه؟ هل يعود أداة في مشروع أخلاقي (أي رهينة جديدة، ولو نبيلة)؟ أم يبقى “غير الضروري” كموقع نقدي حر؟ هذه نقطة يجب حسمها بصراحة، وإلا تناقضت المقالة مع نفسها. والجواب المقترح: الشاعر ليس أداة، بل حارس المعيار. وظيفته في مشروع الإصلاح ليست أن يُجمّل، بل أن يُقلق: أن يمنع المشروع من أن يصير سلطة جديدة. وهذا موقع نقدي داخل الإصلاح لا خارجه.

8ب لكن الخطة تحتاج منهجاً: تساؤلات دائمة، تجديد دائم، مراحل تُقاس

خطط مرحلية ليست شعاراً. كل مرحلة يجب أن تُعرَّف بأربعة أشياء، وإلا كانت أمنية لا خطة:

· الشكل: ما الذي نبنيه في هذه المرحلة؟ (منبر مستقل، مؤسسة تعليمية، تقليد نقدي، جيل جديد)

· طرق العمل: كيف نبنيه؟ (تعليم، تنظيم، تمويل بديل، تحالف، أرشفة وترجمة)

· النتائج: ما الذي يُقاس؟ — ليس الأعداد فقط، بل الأثر: هل تغيّرت شروط الاستماع؟ هل وُلد شكل جديد؟ هل انخفض التكرار؟

· التقييم: من يقيم؟ وبأي معيار؟ وهل يُقبل النقد؟ — لأن خطة بلا تقييم مستقل تصير سلطة جديدة.

وهنا شرطان لا يُتنازل عنهما:

التساؤلات دائمة. المقالة لا تُغلق سؤالها، بل تتركه أداة عمل. السؤال الدائم ليس تردداً، بل آلية تصحيح: كل مرحلة تُراجع نفسها بسؤالها. ومن يظن أن لديه كل الأجوبة، فقد أعلن نهاية عقله.

التجديد دائم. لا شكل نهائي، لا قالب مقدس. كل مرحلة تُنتج شكلها، ثم تُراجعه. التجديد ليس شعاراً، بل شرط بقاء: ما لا يتجدد يُقصى، كما قُصي الشعر حين توقف عن التجديد. والخطة التي لا تُراجع شكلها تصير هي نفسها ما ننتقده: زينة.

والاعتراف الأخير في هذا المحور: نحن نعرف ما يجب أن يُبنى، ولا نملك ضمان أنه سيُبنى. والفرق بين من يعرف الشروط ويعمل بلا ضمان، ومن يعد بالجنة، هو الفرق بين المصلح والواعظ.

خاتمة: الإجابات الثلاث، الاعتراف، والأسئلة الدائمة

كيف هُمِّش الشاعر؟ بانتزاع وظائفه واحدة واحدة، ثم بإغراق صوته لا منعه، ثم باستدعائه زينةً لا فاعلاً وهذا كله يحدث بالملايين، لا بالأفراد.

متى بدأ ذلك؟ على أربع مراحل: مع الطباعة (حفظ الذاكرة)، مع الصحافة والإذاعة (الإعلام)، مع الدولة والقانون (الشرعية)، مع المنصات الرقمية (الكلمة نفسها). اكتملت في القرن العشرين وتعمّقت في الحادي والعشرين.

لماذا هُمِّش؟ لأن البنية الجديدة لم تعد تحتاجه: السلطة تكفيها الإعلام، والمال تكفيه الدعاية، والجمهور تكفيه التسلية. ثم لأن التهميش نفسه صار يُفسد الإبداع، فيُنتج شعراً مكرراً يُعفي أحداً من الحاجة إليه أكثر.

وما الذي يبقى؟ يبقى موقع “غير الضروري كحد أدنى للنجاة، ثم الإصلاح كخطة أخلاقية شاملة تتولاها قيادة فكرية أهل، بمنهج مرحلي يُقاس بالشكل والطرق والنتائج والتقييم بلا ضمان.

والاعتراف: هذه المقالة نفسها نص يُغرَق. نحن نكتب عن الغرق ونحن نغرق. والكتابة عن التهميش قد تكون شكلاً من أشكاله. لكن الاعتراف بذلك لا يُلغيها؛ يُحرّرها من ادعاء المنبر. المقالة لا تعلو على ما تصفه، بل تُحاول أن تُسمّي الغرق بدقة. والصمت يُشرعن الغرق، أما الكلمة فتُسمّيه على الأقل.

والأسئلة الدائمة تُحمل إلى المرحلة القادمة، لا تُغلق هنا:

· من يقود الإصلاح، بأي شرعية، ومن يراجع القائد؟

· كيف تُنفَّذ خطة أخلاقية في زمن لا سلطة فيه للأخلاق؟

· ما موقع الشاعر من الإصلاح: أداة أم حارس معيار؟

· كيف يُقاس الأثر، لا الأعداد؟

· كيف يُمنع تهميش جديد بلباس الإصلاح؟

· كيف يتجدد الشكل دون أن يفقد المعيار؟

هذه ليست خاتمة مغلقة، بل أدوات عمل. ومن يكتب في زمن لا يحدث فيه شيء، يمنع الزمن من أن يمحو إمكانية أن يحدث شيء يوماً. الشعر لا يهزم السلطة والمال لكنه يتوقف عن اللعب بقواعدهما. والإصلاح لا يعد بالجنة لكنه يعمل بلا ضمان. وهذا، في النهاية، كل ما يبقى: أن تقبل أن تكون غير ضروري وتكتب رغم ذلك. وأن تعمل للإصلاح بلا ضمان أنه سيأتي.

هذه المقالة تشخيص وإطار، لا وصفة. قوتها في صدقها، وخطرها أن تُقرأ كحل. من يقرأها كحل، فقد أعاد إنتاج ما تنتقده. ومن يقرأها كأداة عمل، فقد بدأ من حيث تنتهي: بالأسئلة.

محمد توفيق رحال.

اترك تعليقًا