الغريب الذي يسكننا .. بقلم الأديبة منى محمود العتال

#خواطر_استاذة

✍️الغريب الذي يسكننا

في قرية بعيدة..

تتعانق فيها الجبال 🏔..

وتنتشرالحقول الخضراء 🌳عند سفوحها كأنها بساط..

كانت الطيور 🐦تحط على الأغصان، وتغني

و الشمس 🌞 تتسلل من خلف القمم،

وكانت قطرات الندى 💧تلمع فوق أوراق الشجر كأنها دموع صغيرة بكتها السماء فرحا بالحياة.

وفي ذلك المكان..

عاش رجل اعتاد أن يجلس كل صباح على صخرة عالية..

يتأمل الجبال البعيدة..

ويراقب الطيور وهي تغادر أعشاشها…

ويتساءل في نفسه: لماذا لا أجد في داخلي ذلك السلام والسعادةالتي أراها في الطبيعة من حولي؟

حمل متاعه، ومضى يبحث عن شيء مجهول لم يكن يعرفه..

ومرت الأعوام…

حتى عاد ذات مساء، وقد انحنى ظهره من التعب..

جلس على صخرته القديمة..

فرأى النهر نفسه، والحقول نفسها، والطيور تعود إلى أعشاشها عند الغروب…

فجاة..

تأمل ملامحه ف المراة طويلا،

ثم همس في دهشة:

أكل هذه الطرق التي قطعتها كنت ابحث عني أنا؟!

حين نلتقي بالغريب الذي يسكننا

ليست كل الرحلات بحثا عن مكان جديد..

فبعض الرحلات نبحث عن انفسنا..

نحن نهرب من أنفسنا إلى العالم…

ثم نلوم العالم لأنه لم يمنحنا السلام.

نظن أن الاماكن البعيدة تحمل الإجابات..

وأن المدن الجديدة قادرة على ترميم ما انكسر فينا

وأن الآخرين يملكون مفاتيح أبواب عجزنا عن فتحها داخل أرواحنا.

فنركض…

من تجربة إلى أخرى، ومن وجه إلى آخر، ومن حلم إلى حلم،نريد ان نصبح بخير..

أن المشكلة في الإنسان القابع داخلنا.

انظر إلى النهر إنه لا يحتفظ بالماء نفسه..

ومع ذلك لا يفقد هويته. تمر فيه مياه جديدة كل لحظة..

لسنا مطالبين أن نظل النسخة نفسها التي كناها بالأمس.

قد تكتشف يوما أنك لم تعد تحب ما كنت تحبه،

ولم تعد تطارد ما كنت تظنه غاية العمر،

ولم تعد تخشى الأبواب المغلقة كما كنت تخشاها من قبل.

وقد تتعجب من هدوءك و صمتك أمام مواقف كنت تخوض من أجلها ألف معركة.

فتظن أنك فقدت شيئا من نفسك.

حتى نسيت أن تسأل نفسك: ماذا أريد أنا..

لماذا نخاف من الإنسان الذي أصبحناه؟

لأننا نحب المألوف…

حتى لو كان يؤلمنا.

نطمئن إلى أحزان اعتدناها أكثر مما نطمئن إلى سعادة لم نختبرها..

ونتمسك بأدوار أنهكتنا لأننا لا نعرف من نكون إذا تخلينا عنها.

فقد يكون ما نسميه تغيرا هو أول خطوة نحو النضج،

وما نسميه فقدانا لأنفسنا هو بداية استعادتها

النضج أن تفهم ألمك دون أن تسمح له بأن يسرق منك بقية حياتك.

و السلام أن تتعلم كيف تحافظ على شيءٍ من توازنك حين تهب الرياح.

فالجبال لا تصبح عظيمة لأنها لم تتعرض للعواصف..

والنهر لا يبلغ البحر لأنه وجد الطريق مفروشا بالورود،

والطائر لا يتعلم الطيران وهو آمن داخل عشه.

لكل شيء في الطبيعة رحلته، ولكل رحلة ثمنها…

🍂 لا تحزن على نسختك القديمة

لا تقف أمام مرآة روحك لتبكي الإنسان الذي كنته قبل سنوات.

ذلك الإنسان لم يكن ساذجا لأنه وثق، ولا ضعيفا لأنه أحب، ولا فاشلا لأنه أخطأ الطريق.

لقد كان يتصرف وفق ما يملك من معرفة،

🌅 وأخيرًا…

حين تعود إلى نفسك،وتنظر في المرآة لا تسألها في فزع: من أنت؟

ولماذا لم تعودي كما كنت؟

بل اقترب منها برفق، اسألها:

ماذا تعلمت من الطريق؟

ما الذي لم يعد يستحق أن يستنزف عمرك؟

وأي الأشياء في داخلك ظل حيا، رغم كل ما مررت به؟

ثم تذكر أن الحياة لا تمنحنا دائما ما نريد، لكنها تمنحنا، عبر تجاربها، فرصا متجددة لنفهم أنفسنا ونراجع اختياراتنا ونبدأ من جديد.

فلا تخف من الغريب الذي تراه في مرآتك..

فقد يكون هو أنت، بعدما أسقطت الحياة عن روحك ما لم يكن يشبهها.

وإذا كان العمر قد أخذ منك أشياء كثيرة!!

فالسؤال هل أصبحت، بعد كل ما عشته، أقرب إلى حقيقتي، أم ما زلت أعيش بعيدا عن نفسي؟

نحن نعود إلى المرآة لنكتشف أن الغريب الذي نبحث عنه في العالم يسكن في داخلنا.

ومع ذلك، ليس كل غريب في المرآة شخصا ضائعا..

ربما يكون إنسانا تغير كثيرا،

ونضج كثيرا،

وعبر من التجارب ما جعله لا يشبه نسخته القديمة.

فلا تحزن إن لم تعد تشبه نفسك التي كنتها بالأمس..

وربما لا يكون السؤال: من هذا الغريب الذي أراه في المرآة؟

يكون السؤال كم مررت من الحياة حتى أصبحت هذا الإنسان؟

ا. منى محمود العتال

اترك تعليقًا