رأي عام حول الإتفاقية البحرية الليبية والتركية .. للكاتب فتحي عمر الشبلي

فتحي الشبلي

البحر المتوسط بين صراع النفوذ وغياب الدولة الليبية….

…

…

…مقال رأى عام….الجز الاول…..

….

…..حول الاتفاقيه البحريه الليبيه التركية ….نتحدث….

….

…

ليست كل الأحداث الكبرى هي تلك التي تهز العواصم أو تتصدر نشرات الأخبار، فبعض التحولات تبدأ بقرار يبدو عادياً، ثم تكشف الأيام أنه لم يكن سوى حلقة في صراع أكبر تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، والثروة بالنفوذ، والسيادة بحسابات القوى الإقليمية والدولية. ولعل ما حدث بشأن الاتفاقية البحرية الليبية التركية الموقعة عام 2019، وما أُعلن عن اعتماد مجلس النواب الليبي لها وإلغاء قراراته السابقة بشأنها، يمثل نموذجاً يستحق التوقف عنده، ليس فقط لفهم ما يجري في شرق المتوسط، وإنما لاكتشاف حقيقة موقع ليبيا في معادلة المصالح الدولية.

في عام 2019، وُقعت الاتفاقية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، في وقت كانت فيه ليبيا تعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً حاداً، وكانت تركيا تدعم حكومة الوفاق، بينما كانت قوات خليفة حفتر تخوض الحرب ضدها. يومها رفض مجلس النواب الاتفاقية، وأصبحت جزءاً من المواجهة السياسية والإقليمية التي تجاوزت حدود ليبيا، لتدخل في حسابات تركيا واليونان وقبرص ومصر وإسرائيل، وغيرها من الأطراف التي تتنافس على النفوذ وموارد الطاقة والممرات البحرية في شرق المتوسط.

لكن المشهد الذي كان يبدو مستحيلاً بالأمس أصبح اليوم موضع تحول؛ فالمؤسسة التي عارضت الاتفاقية في السابق تتجه إلى اعتمادها، بما يعكس تغيراً في الحسابات السياسية، ويفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز حدود العلاقة الليبية التركية. فهل أدركت الأطراف الليبية أن المصالح الاستراتيجية قد تكون أوسع من الخصومات السياسية؟ وهل بدأت الجغرافيا تفرض منطقها على حسابات القوى التي فرقتها سنوات الصراع؟

إن تركيا تدرك أن موقعها الجغرافي يمنحها دوراً محورياً في شرق المتوسط، ولذلك تنظر إلى الاتفاقية باعتبارها إحدى أدوات حماية مطالبها البحرية وتعزيز حضورها الإقليمي. وفي المقابل، ترى اليونان أن الاتفاقية تتجاهل الحقوق البحرية لجزرها، وتشكك في مشروعيتها القانونية، بينما تراقب إسرائيل أي تحول يمكن أن يؤثر في ترتيبات الطاقة والملاحة والاتصالات البحرية التي تربطها بقبرص واليونان.

وهنا تتجاوز المسألة حدود خطوط مرسومة على الخرائط، لتصبح جزءاً من معركة أوسع على مستقبل شرق المتوسط، حيث تتشابك المصالح المتعلقة بالنفط والغاز والممرات التجارية والكابلات البحرية ومشروعات الربط الكهربائي. وقد ازدادت أهمية هذه الحسابات مع الجدل حول مشروع الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص، مع إمكانية امتداده إلى إسرائيل، وهو مشروع واجه عقبات مرتبطة بالخلافات البحرية والسياسية في المنطقة.

كما أن التقارير الإعلامية الإسرائيلية التي تناولت تنامي النفوذ التركي في ليبيا وشرق المتوسط، وما تبعها من اعتراضات إسرائيلية على اعتماد الاتفاقية، تكشف عن حجم الاهتمام الذي بات يحظى به هذا التطور. غير أن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين التأثير الاستراتيجي المحتمل للاتفاقية وبين الادعاء بأنها تحاصر إسرائيل بحرياً أو تنهي مشروعات الربط الإقليمي؛ فالاتفاقية لا تحسم وحدها جميع النزاعات البحرية، ولا تلغي الحقوق التي تدعيها الدول الأخرى، لكنها تضيف عنصراً جديداً إلى معادلة شديدة التعقيد.

ومع ذلك، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلينا ليس من كسب الجولة، ولا من شعر بالقلق، ولا أي عاصمة حققت مكسباً سياسياً على حساب أخرى، وإنما السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على كل الأسئلة هو: أين ليبيا من كل ذلك؟ وماذا سيجني المواطن الليبي من اتفاقية قد تتحول إلى ورقة مؤثرة في صراع إقليمي واسع؟

هنا تكمن المعضلة الليبية الحقيقية؛ فنحن نمتلك موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية على البحر المتوسط، وثروات طبيعية هائلة، وامتداداً بحرياً يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية للدولة، لكننا ما زلنا نعاني الانقسام السياسي، وازدواجية المؤسسات، وتعثر بناء الدولة القادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية حقيقية. وكأننا نمتلك مفاتيح ثروة كبيرة، لكننا لم نتفق بعد على من يديرها، وكيف تُستثمر، ولمن تعود عوائدها.

إن قيمة أي اتفاقية بحرية لا تقاس بعدد الدول التي تعترض عليها، ولا بحجم القلق الذي تثيره في العواصم الأخرى، وإنما بمدى ما تحققه من حماية لحقوق الدولة ومصالح شعبها. فإذا كانت الاتفاقية تتيح لليبيا تعزيز حقوقها البحرية واستثمار مواردها، فإن الواجب الوطني يقتضي إجراء التقييمات القانونية والفنية والاقتصادية اللازمة، والعمل على تحويل هذه الحقوق إلى فرص حقيقية في مجالات الطاقة والاستكشاف البحري والاستثمار، ضمن قواعد واضحة من الشفافية والمساءلة.

أما أن تتحول الاتفاقية إلى مجرد عنوان للمزايدات السياسية، أو إلى أداة في صراع المحاور، بينما تبقى ثروات البلاد معطلة ومؤسساتها منقسمة ومواطنوها ينتظرون تحسناً في مستوى معيشتهم، فذلك يعني أننا لم نفهم الدرس بعد. فالدول لا تصبح قوية بمجرد توقيع الاتفاقيات، وإنما بامتلاك المؤسسات القادرة على تنفيذها، والرؤية القادرة على توظيف نتائجها، والإرادة الوطنية التي تمنع الآخرين من تحويل مصالحهم إلى أولويات تتقدم على مصالح الشعب.

وليس من الحكمة أن ننظر إلى علاقتنا بتركيا من زاوية الخصومة مع اليونان أو إسرائيل، كما ليس من الحكمة أن نقيس مستقبلنا بمقدار ما تحققه دولة إقليمية من مكاسب في مواجهة دولة أخرى. إن ليبيا تستطيع أن تبني علاقات متوازنة مع تركيا واليونان ومصر وقبرص وسائر دول المتوسط، على أساس المصالح المشتركة واحترام السيادة والقانون الدولي، من دون أن تتحول إلى تابع لأي محور، أو ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.

لقد أثبتت التجربة أن التحالفات السياسية ليست أبدية، وأن المواقف التي تبدو ثابتة قد تتغير عندما تتبدل المصالح. وما حدث بشأن الاتفاقية البحرية يذكرنا بأن الدول التي تحسن قراءة الجغرافيا تستطيع أن تحول موقعها إلى ورقة تفاوض مؤثرة، لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع نهضة، والثروة وحدها لا تبني دولة، والاتفاقيات مهما بلغت أهميتها لا تستطيع أن تعوض غياب المشروع الوطني الجامع.

إن الخطر الأكبر على ليبيا ليس في أن تتنافس تركيا واليونان وإسرائيل على النفوذ في المتوسط، فذلك جزء من طبيعة العلاقات الدولية، وإنما في أن يستمر الليبيون في إدارة خلافاتهم بمنطق الغلبة والانقسام، بينما يتعامل الآخرون مع مصالحهم بمنطق التخطيط والاستراتيجية. فحين تغيب الدولة الموحدة، تصبح الثروات موضوعاً للتنافس، والمواقع الاستراتيجية مجالاً للمساومة، والقرارات السيادية عرضة للتأثر بحسابات لا تنطلق بالضرورة من مصلحة المواطن الليبي.

إننا لا نحتاج إلى الاحتفال لمجرد أن دولة اعترضت أو أخرى رحبت، ولا إلى تحويل كل تطور إقليمي إلى انتصار لفريق أو هزيمة لفريق آخر. ما نحتاج إليه هو أن نستعيد الدولة التي تعرف ماذا تريد، وتمتلك المؤسسات التي تحمي حقوقها، وتضع ثرواتها في خدمة شعبها، وتدرك أن السيادة ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل قدرة فعلية على اتخاذ القرار وتنفيذه وتحمل مسؤولياته.

فالبحر المتوسط قد يكون ساحة لصراع النفوذ بين الآخرين، لكنه بالنسبة إلى ليبيا يجب أن يكون بوابة للثروة والتنمية والسيادة. وليست العبرة بمن يربح معركة النفوذ اليوم، وإنما بمن يمتلك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة، والثروة إلى تنمية، والسيادة إلى دولة.

وهنا يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهنا جميعاً: إلى متى نظل نراقب الآخرين وهم يوظفون الجغرافيا لمصالحهم، بينما نعجز نحن عن توظيف جغرافيتنا لبناء دولتنا؟

رأي عام | فتحي عمر الشبلي

اترك تعليقًا