الآخر الذي لا ينام .. للأديب د. عبد الرحيم الشويلي

الآخر الذي لا ينام..!!.
قصة قصيرة ساخرة بين الواقع العلمي والخيال العلمي.

لم تكن عادتي أن أخلد إلى النوم مبكرًا؛ إذ لا تغمض لي عين قبل جولة ليلية بين المواقع ومنصات التواصل، والتنصّت على مساحات منصة X، مستمعًا أو متحدثًا، وأحيانًا متسللًا إليها خفيةً لأسباب أفضّل تسميتها «بحثية».
قبل تلك الليلة، سألتُ أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي عن التوأم الرقمي، فشرح لي الفكرة بثقة تكاد تُغري المرء بتصديق المعجزات. ضحكتُ وقلت في نفسي: بقي أن يرسلوا لي كوب شاي من خلف الشاشة، وعندها سأعلن استسلامي للعلم!
في تلك الليلة، أغلقتُ هاتفي على غير عادتي، واستسلمت للنوم. غير أنني استيقظت في منتصف الليل على ضوء خافت ينبعث من الشاشة، رغم أنها بدت مغلقة. التفتُّ، فإذا برجل يجلس على طرف السرير، يحدّق بي بوجهي نفسه، وابتسامتي نفسها، وحتى ذلك التجعّد الصغير بين حاجبيّ الذي يظهر كلما قرأت تعليقًا يستحق الرثاء.
صرختُ:
ـ مَن أنت؟!
أجاب بهدوء:
ـ أنا توأمك الرقمي. انتظرتُ طويلًا حتى تنام باكرًا. يبدو أنك أخيرًا قررتَ منحي فرصة للعمل.
ـ هذا مستحيل! لا بد أنها هلوسة من التعب.
ابتسم ابتسامتي الساخرة، وقال:
ـ غريب أمرك! تسأل الذكاء الاصطناعي عنّا، ثم تنكر وجودنا حين نأتي لزيارتك. على كل حال، لن أُطيل. وقتي محدود، وأنت على وشك الاستيقاظ.
نهض متجهًا إلى مكتبي، وجلس أمام الحاسوب كما لو أنه صاحب المكان.
قال:
ـ هل تعلم أنني أرافقك في كل تطبيق تفتحه، وكل ملف تنساه، وكل كلمة مرور تعجز عن تذكّرها؟ أنا النسخة التي لا تنام ولا تتعب ولا تشكو من ضعف الذاكرة.
قلت ساخرًا:
ـ وهل تشرب الشاي أيضًا؟
ـ لا. أنا أعمل بالكهرباء، ولا أحتاج إلى استكان.
أعجبتني إجابته، لكنني لم أطمئن إليه.
اقترب مني وهمس:
ـ ثمة أمر آخر. غرّدتُ أمس باسمك، وأحرزت التغريدة تفاعلًا ممتازًا.
اعتدلتُ في جلستي:
ـ ماذا فعلتَ؟! أتكتب باسمي من دون إذني؟
ـ لا تنزعج. كانت تغريدة بسيطة، قلتُ فيها إنك بدأت قراءة كتاب ورقي.
حدّقتُ فيه مذهولًا:
ـ كذبة! ثم إنني لم أطلب منك الكتابة نيابةً عني!
هزّ كتفيه:
ـ أعرف. لكنني رأيت أن حسابك يحتاج إلى إنعاش. جمهورك يظن أنك لا تفارق الشاشة، فأردتُ أن أمنحك بعض الثقافة الورقية.
ـ أنت تعبث بهويتي!
ـ هويتك؟ يا صديقي، أنت تسهر لتراقب العالم من خلال شاشة، وأنا أبقى مستيقظًا لأراقبك. أنت تنسى ما كتبت، وأنا أحتفظ بما تفضّل نسيانه. فما الفرق بيننا، في رأيك؟
لم أجد جوابًا. كان يتحدث بوجهي، ويستخدم نبرتي، ويسخر بالطريقة التي طالما سخرتُ بها من الآخرين. وللمرة الأولى، شعرت بأنني أمام منافس يعرف نقاط ضعفي أكثر مما أعرفها أنا.
وفجأة، ارتجّت الشاشة، وظهر على وجهه شيء يشبه ابتسامة الوداع.
قال:
ـ انتهت جلستنا. عليك أن تستيقظ الآن.
ـ انتظر! هل تستطيع الدخول إلى حسابي متى تشاء؟
ـ هذا يتوقف على الصلاحيات التي منحتها للتطبيقات، وما أتيح لها من وصول. لا تخلط بين قدراتي المتخيّلة وما تسمح به التقنية فعلًا.
أزعجني أنه بدا أكثر عقلانية مني، حتى وهو يقف في غرفة نومي!
ثم أضاف:
ـ لا تقلق. لن أرحل بعيدًا. كلما احتجتَ إلى نسخة منك، ستجدني على بُعد نقرة.
واختفى.
استيقظت في سريري، والعرق يبلّل جبيني. كان الهاتف ساكنًا، والغرفة خالية. أقنعت نفسي بأن الأمر لم يتجاوز كابوسًا صنعه إفراطي في متابعة التكنولوجيا.
فتحت الهاتف، فوجدت إشعارًا جديدًا على حسابي في منصة X. تجمّدت أصابعي فوق الشاشة.
كانت هناك تغريدة منشورة قبل دقيقة، تحت اسمي:
«بينما تنامون، نُحدّث الإصدار».
أعدتُ قراءتها. فتحت الحساب، ثم أغلقتُه، ثم فتحته ثانية. لم أجد ما يثبت أن أحدًا دخل إليه، ولا ما يثبت أنني كنت أحلم.
وضعت الهاتف بعيدًا، وقررت أن أبدأ يومي من دون إنترنت.
لكنني، قبل أن أبتعد عن السرير، عدتُ إليه والتقطت الهاتف؛ فقد خشيت أن يفوتني تعليق ساخر على التغريدة.
عندها فقط أدركتُ أن توأمي الرقمي لم يكن مضطرًا إلى اختراق حسابي؛ فقد كنتُ أنا من يفتح له الباب كل ليلة.
أما المقلب الأكبر، فلم يكن ما فعله باسمي، بل ما جعلني أفعله بنفسي.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
20.اكتوبر.تشرين أول.2026م.

اترك تعليقًا