العقد الإجتماعي هوبز – لوك – روسو من منظور إسلامي للباحث محمد صالح الطلاع

الحلقة السادسة عشرة: العقد الاجتماعي هوبز، لوك، وروسو من منظور إسلامي

سلسلة: ميزان الحكمة قراءة نقدية في الفلسفة من منظور إسلامي

الباحث: تركي محمد صالح الطلاع — الباحث في العلوم الإسلامية

المقدمة: كيف تنشأ السلطة؟

بعد أن فرغنا في الحلقة السابقة من تحرير قضية المدينة الفاضلة بين الفارابي والنموذج النبوي، نصل اليوم إلى سؤال يمسّ شرعية السلطة ذاتها: من أين يستمد الحاكم سلطته؟ وهل هي من الله مباشرة، أم من الشعب عبر عقد اجتماعي؟ وهل يمكن للأفراد أن يتنازلوا عن حقوقهم لسلطة مطلقة كما قال هوبز أم أن حقوقهم غير قابلة للتنازل كما قال لوك أم أن الإرادة العامة هي المصدر الوحيد للشرعية كما قال روسو؟

هذه الأسئلة ليست نظرية. إنها أسئلة الثورات التي أطاحت بالملوك في أوروبا، وأسئلة الدساتير التي صاغت الدول الحديثة، وأسئلة الشارع التي تهتف اليوم في كل مكان من العالم. وقد بدأت هذه الأسئلة في القرن السابع عشر الميلادي، حين كتب توماس هوبز كتابه “اللفياثان”، ثم تبعه جون لوك في “رسالتين في الحكم المدني”، ثم جان جاك روسو في “العقد الاجتماعي”.

فما موقف الإسلام من هذه النظرية؟ هل يقبلها؟ أم يرفضها؟ أم عنده بديل خاص بها؟ هذا ما نجيب عنه في حلقتنا.

أولاً: عرض الفكرة العقد الاجتماعي عند هوبز ولوك وروسو

1. توماس هوبز: اللفياثان والدولة المطلقة

توماس هوبز (1588–1679م) — في كتابه “اللفياثان” (1651م) — انطلق من تصور متشائم عن الطبيعة البشرية. فهو يرى أن الإنسان بطبعه أناني ومتقاتل، وأن حالة الطبيعة أي الحياة قبل المجتمع هي “حرب الكل ضد الكل” (Bellum omnium contra omnes). ففي هذه الحالة لا يوجد أمن، ولا قانون، ولا حق إلا حق القوة.

ويقول: “إن الطبيعة قد جعلت الناس متساوين في ملكات الجسد والعقل”، وإذا كان شخصان يرغبان في الشيء نفسه وهو ما لا يمكن أن يتمتعا به معاً، فإنهما يصيران عدوين”. ومن هنا تنشأ الحرب الدائمة.

وللخروج من هذه الحالة، يرى هوبز أن الأفراد يتنازلون عن حقوقهم الطبيعية كلها لسلطة سيادية مطلقة فرداً أو مجلساً بشرط أن تكفل لهم الأمن والسلام. ويقول: “أفوّض وأتنازل عن حقي في حكم نفسي لهذا الشخص أو هذا المجلس”. هذا التنازل لا يجوز الرجوع عنه، والسلطة لا تُقاوم.

2. جون لوك: الحقوق الطبيعية والحكومة المحدودة

جون لوك (1632–1704م) في “رسالتين في الحكم المدني” (1690م) قدّم تصوراً مختلفاً جذرياً عن هوبز. فهو يقرر أن الناس أحرار ومتساوون بالطبيعة، وأن حالة الطبيعة ليست حرباً، بل حالة سلام وخير، يسودها قانون العقل.

وللخروج من إشكالات حالة الطبيعة من غياب سلطة فاصلة في النزاعات يتنازل الأفراد عن بعض حقوقهم للحكومة، بشرط أن تحمي حياتهم وحريتهم وملكيتهم. ويقول: “إن الغاية الكبرى من انضمام الناس إلى المجتمع هي الحفاظ على أملاكهم”. ويقرر أن الحكومة أمانة، وإذا خانت الأمانة، فللشعب حق الثورة عليها.

3. جان جاك روسو: الإرادة العامة والسيادة الشعبية

جان جاك روسو (1712–1778م) في “العقد الاجتماعي” (1762م) رفض فكرة السلطة الإلهية للملوك,وقرر أن السيادة للشعب وحده. ويقول: “يولد الإنسان حراً، وهو في كل مكان مقيّد بالقيود”.

وهو يقدّم حلاً للتوفيق بين الحرية والسلطة: “العقد الاجتماعي”، الذي بموجبه يتنازل الفرد عن حريته الطبيعية لصالح “الإرادة العامة” (Volonté générale). والإرادة العامة عنده ليست مجموع الإرادات الفردية، بل إرادة الكائن الجماعي الذي يتكون من الأفراد. ومن يطيع الإرادة العامة، فإنما يطيع نفسه — بمعنى ما لأنها إرادته الحقيقية.

ثانياً: الجوانب الإيجابية في نظرية العقد الاجتماعي

1. تأسيس السلطة على الرضا

أعظم إيجابيات نظرية العقد الاجتماعي أنها أسست السلطة على رضا المحكومين، لا على القهر والغلبة. وهذا مبدأ صحيح في جوهره، يتوافق مع مبدأ البيعة في الإسلام. فالنبي ﷺ بايع أصحابه، وأخذ عليهم العهد على السمع والطاعة، ولم يجبر أحداً على الدخول في الإسلام ولا على البيعة.

2. فكرة الحقوق الطبيعية

فكرة الحقوق الطبيعية التي طورها لوك فكرة إنسانية نبيلة، تعترف بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. وهذا يتوافق مع التكريم الإلهي للإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. والإسلام يقرر حقوقاً أساسية كحق الحياة والحرية والملكية لا يجوز التعدي عليها.

3. حق مقاومة الظلم

حق الثورة على الحاكم الظالم الذي قرره لوك له أصل إسلامي عميق فقد قال أبو بكر الصديق في خطبته الأولى: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم”。وقال ﷺ: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”فـطاعة الحاكم مشروطة بطاعة الله، وإذا ظلم,فقد سقطت طاعته في نطاق الظلم.

ثالثاً: الجوانب السلبية في نظرية العقد الاجتماعي

1. تصور حالة الطبيعة: أسطورة لا أساس لها

أخطر ما في نظرية العقد الاجتماعي هو تصور “حالة الطبيعة” أي حياة الإنسان قبل المجتمع فـهوبز يتصور الإنسان قبل المجتمع وحشاً متقاتلا ولوك يتصوره حراً ومتساوياً، وروسو يتصوره “الوحش النبيل”وكل هذه التصورات أساطير لا أساس لها في التاريخ

وقد انتقد الأزهر هذه النظرية بأنها “غير حقيقية لا سند لها في التاريخ”فـالإنسان في المنظور الإسلامي لم يوجد يوماً في حالة طبيعة معزولة عن الاجتماع بل هو مدني بطبعه و الاجتماع الذي لا يقوم إلا بأمر الله والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13] فـالاجتماع الأصلي ليس نتاج عقد بل هو أصل في الخلقة الإنسانية.

2. العلمانية: فصل الدين عن الدولة

نظرية العقد الاجتماعي في أصلها قامت على أساس علماني: فصل الدين عن الدولةفـهوبز ولوك وروسو جميعاً لم يجعلوا الوحي مصدراً للتشريع بل جعلوا الإرادة البشرية مصدراً وحيداً للسلطة وهذا يتعارض مع المنظور الإسلامي الذي يجعل الشريعة أساس الحكم والوحي مصدراً للتشريع قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]

3. إلغاء المرجعية الإلهية

العقد الاجتماعي كما قال الباحثون يبتني على افتراض أن الإنسان في البداية كان في وضعية بدون تكليف وأن الشرعية السياسية مستندة إلى إرادة الإنسان وعقلانيته المستقلة

والقرآن يرفض بشكل قاطع أي وضعية سابقة للوجود الإنساني خالية من التكليف، ويضع الإنسان منذ البداية في إطار الفطرة والميثاق

4. إشكالية الإرادة العامة عند روسو

فكرة “الإرادة العامة” عند روسو رغم جاذبيتها تحمل في طياتها خطراً كبيراً。فمن يحدد الإرادة العامة؟ ومن يمثلها؟ إنها فكرة مطاطة يمكن أن تُبرر بها الديكتاتوريات التي تدّعي أنها تمثل الشعب وقد لاحظ الباحثون أن الدول التي قامت على أفكار روسو انتهت إلى الاستبداد الجماعي الذي يُسمّى ديمقراطيةلكنه في جوهره إلغاء للفرد.

5. غياب البعد الأخلاقي والروحي

نظرية العقد الاجتماعي في جميع صورها تتجاهل البعد الأخلاقي والروحي في حياة الإنسان فـالإنسان عند هوبز ولوك وروسو كائن مادي يبحث عن مصلحته وأمنه وحقوقه، لا كائن أخلاقي يبحث عن الكمال والقرب من الله وهذا يخالف المنظور الإسلامي الذي يجعل الغاية من الوجود الإنساني هي العبادة والكمال الروحي

رابعاً: الرد الإسلامي ميزان الشرعية السياسية

1. البيعة: الأساس التعاقدي في الإسلام

البيعة في الإسلام هي الأساس التعاقدي للسلطةوهي ليست مجرد تنازل عن حقوق بل هي عهد والتزام متقابل: فالحاكم يتعهد بالحكم بالعدل والرعية تتعهد بالسمع والطاعة في حدود الشريعةوقد قال الباحثون: “البيعة إلا إدلاء بالرأي والتزام بالعهد”

2. الشورى: بديل الإرادة العامة

الشورى — لا “الإرادة العامة” هي الأساس السياسي في الإسلام قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]。وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]。والشورى في الإسلام ليست ديمقراطية بمعناها الغربي بل هي آلية للاستعانة بأهل العلم والحكمة في تدبير شؤون الأمةمع الالتزام بمرجعية الشريعة.

3. الخلافة: رئاسة شرعية

الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي هي “رئاسة عامة في أمور الدين والدنياخلافة عن النبي ﷺ”وهي ليست حكماً إلهياً كما يظن البعض بل هي اختيار بشري يخضع للمعايير الشرعيةوقد قال الأزهر: “الخلافة لم يُرد بها نص في القرآن الكريم ونحن أهل السنة نعتقد تمام الاعتقاد أن النبي ﷺ ترك أمر الإمامة أو الخلافة للشورى واختيار المسلمين”

4. الحاكم ليس فوق الشريعة

في المنظور الإسلامي الحاكم ليس فوق الشريعة بل هو خاضع لها كأي فرد من الأمة قال أبو بكر الصديق: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم”وقال عمر بن الخطاب: “من رأى فينا اعوجاجاً فليقوّمه”فـالسلطة في الإسلام مقيدة بالشريعة لا مطلقة كما عند هوبز

5. الأمن والمصلحة: غاية الحكم

ابن تيمية في كتابه “السياسة الشرعية” قرر أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تقوم على المصلحة التي لا تقوم إلا بالاجتماع للحاجة المتبادلة إلى رئيس يقوم عليهم فمصلحة الناس هي الأمن الذي يسعون لتحقيقه وهذا يتوافق مع هدف العقد الاجتماعي الأمن لكن ضمن إطار أخلاقي وشرعي

6. الفرق بين العقد الاجتماعي والبيعة

وجه المقارنة العقد الاجتماعي البيعة

المصدر إرادة بشرية خالصة إرادة بشرية + مرجعية شرعية

الغاية الأمن والحقوق إقامة الدين والعدل

المرجعية العقل والعلمانية الوحي والشريعة

الحقوق حقوق طبيعية حقوق شرعية (تكليفية)

الحاكم وكيل الشعب خليفة عن النبي ﷺ في الدين والدنيا

خامساً: خلاصة الميزان

نظرية العقد الاجتماعي رغم إسهامها في تأسيس الشرعية على الرضا والحقوق تظل نظرية علمانيةتفصل الدين عن الدولةوتجعل الإرادة البشرية مصدراً وحيداً للتشريع والإسلام بمنهجه الوسطي لا يرفض الرضا والشورى وحقوق الإنسان بل يؤسسها على الوحي والشريعةفالبيعة بديل إسلامي للعقد الاجتماعي والشورى بديل إسلامي للإرادة العامةوالخلافة بديل إسلامي للدولة المدنية

والحق الذي قرره أهل السنة أن السلطة في الإسلام أمانةلا ملكيةقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]فـالحاكم مؤتمن والرعية مؤتمنة وكلاهما مسؤول أمام الله

خلاصة الميزان: هوبز أطلق السلطة فصارت طاغوتاًولوك قيدها بالحقوق فصارت أمانةوروسو أذابها في الإرادة العامة فصارت جماعيةوالإسلام جمع بين الطاعة والعدل، وبين السلطة والمسؤوليةوبين البيعة والشورى ومن وزن بهذا الميزان فقد اهتدى

الحلقة القادمة: “الذكاء الاصطناعي هل يمكن للآلة أن تفكر؟ (ابن سينا والغزالي)”

الباحث: تركي محمد صالح الطلاع

اترك تعليقًا