ما بيننا وبين الغياب
بقلم: محمود متولي
نمضي، ونحسبُ أنَّنا نختارُ
الدربَ الذي نهوى، ونملكُ أمرَنا
ونشدُّ أعمارَ السنينِ إلى المدى،
وكأنَّ في أيدينا سرَّ غدِنا
نمضي، ويكبرُ في الطريقِ سؤالُنا:
مَن ذا الذي اختارَ الطريقَ لخطوِنا؟
أَنحنُ نمضي حيثُ نشتهي،
أمِ الأيامُ تمضي بنا إلى أقدارِنا؟
كم مرّةٍ قلنا: اخترتُ طريقَنا،
ثم انكشفنا أنَّهُ قد اختارَنا
والوقتُ لا يمضي كأنَّا خارجَهُ،
بل نحنُ نمضي في مسافاتهِ معًا
نُعطي الحياةَ من السنينِ كأنَّها
ملكٌ لنا، وننسى أنَّنا عابرون
حتى إذا ضاقَ الطريقُ بخطوِنا،
عادَ السؤالُ يفتّشُ عن يقينِنا:
ما الغيبُ؟ أهوَ ما نخافُ وقوعَهُ،
أم أنَّهُ الآتي يسيرُ بداخلِنا؟
والموتُ، هل هوَ النهايةُ؟ أم ترى
بابٌ نطلُّ من الغيابِ وراءَهُ؟
إن كانَ قدرُ العمرِ مكتوبًا، فمن
أبقى لنا بينَ السطورِ خيارَنا؟
وإذا كانتْ إرادتُنا من أمرِنا،
فمَنِ الذي أودعَ البدايةَ أمرَنا؟
نبقى نُفتّشُ عن جوابٍ، كلَّما
بلغَ السؤالُ بنا سؤالًا أعمقَا،
حتى نرى أنَّ الحقيقةَ لم تكنْ
خلفَ الطريقِ، وإنَّما في خطوِنا
فالمرءُ ليسَ بما امتلكَ من المدى،
لكنْ بما أبقاهُ بعدَ غيابِهِ
تبقى يدٌ امتدّتْ إلى متعبٍ،
وتظلُّ كلمةُ صدقِهِ في الناسِ حيّةً
ويظلُّ أثرُ الخيرِ بعدَ رحيلِنا
شيئًا يقولُ: مررنا من هنا يومًا
فالحياةُ، بكلِّ ما فيها، رحلةٌ
من سؤالٍ إلى سؤالٍ يستعيدُ بها الفتى نفسَهُ
نمضي، ولا ندري إلى أينَ المدى،
لكنَّنا نمضي، ويكشفُنا المدى
حتى إذا سقطَتْ من أيدينا الأشياءُ،
ولم يبقَ سوى معنى لنا،
نعرفُ بأنَّ السؤالَ الذي رافقَنا
منذ البدايةِ لم يكنْ: أينَ المدى؟
بل كانَ أعمقَ من طريقٍ أو غيابٍ:
مَن نحنُ حينَ يسقطُ كلُّ ما لنا؟
ولعلَّ آخرَ ما يظلُّ من الخطى
ليسَ الجوابَ… وإنَّما السؤالُ.
.

