الشَّيَاطِينُ الْوَاشِيَةُ
بقلمي:بوراس مجدوب
عَجِبْتُ مِنْ أَقْوَامٍ تُجِيدُ التَّمَلُّقَا
كَحِرْبَاءَ تَلَوَّنَتْ تُخْفِي وُجُودَهَا
تَظْهَرُ فِي ثَوْبٍ أَنِيقٍ تَرْتَدِيهِ دَوْماً
لَكِنْ كَأَفْعَى كُلَّ حِينٍ تُغَيِّرُ جُلُودَهَا
تَرَى الْوُجُوهَ بِسَاطِعِ الْبِشْرِ مُبْتَسِمَةً
تَتَبَاهَى بِصِدْقِ الْقَوْلِ مَعْ نُبْلِ أَخْلَاقِهَا
تُجِيدُ التَّحَرُّكَ إِتْقَاناً وَتَصْرِيفاً
تَعْرِفُ كَيْفَ تُوَارِي كُلَّ عُيُوبِهَا
تَجُودُ بِنُصْحٍ، وَتَأْتِي إِلَيْكَ مُتَبَرِّعَةً
وَتُظْهِرُ عَطْفاً كَيْ تُثْبِتَ لَكَ وِدَّهَا
احْتَرْتُ لِمَعَاشِرَ مَاتَ الضَّمِيرُ بِهَا
وَجَعَلَتْ مِنَ الْوَشَايَةِ وَالزُّورِ زَادَهَا
تَقْطَعُ بِإِفْكٍ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ وُدَّهُمْ
وَتَزْرَعُ الْبُغْضَ كَيْ تَشْفِيَ أَحْقَادَهَا
تَتَلَاهَفُ كُلَّ يَوْمٍ لِكَشْفِ أَسْرَارِهِمْ
كَأَنَّ فِي كَشْفِ الْخَفِيِّ مُتَنَفَّسَهَا
تَأْتِيكَ بِمَا لَا تَدْرِي مُتَحَدِّثَةً
وَتَنْفُثُ فِي النُّفُوسِ طِيبَ سُمُومِهَا
تَجُورُ فِي حُكْمِهَا جَوْراً عَلَى النَّاسِ
وَتَضْرِبُ عَرْضَ الْحَائِطِ حُسْنَ مَبَادِئِهَا
نَقْلُ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ فِيهِ رَاحَةٌ
وَقَلْبُ الْحَقَائِقِ بِهِ سَكَنُهَا وَمَلْهَاهَا
تَجِدُهَا تَسْعَى لِفِعْلِ السُّوءِ جَاهِدَةً
وَلَا تَكِلُّ لِكَيْ تُحَقِّقَ مُبْتَغَاهَا
وَتُهَلِّلُ فَرَحاً لِلسُّوءِ كَانَ قَدْ وَقَعَا
كَأَنَّهَا قَبَضَتْ أَرْبَاحَ مَسْعَاهَا
وَتَتَنَاسَى وَتَرْمِي كُلَّ ذَا فَضْلٍ
وَلَا تُبَالِي إِلَّا بِمَا يُرْضِي هَوَاهَا
بِصِفَاتِ كُلِّ الشَّيَاطِينِ تَشَبَّهَتْ
فَأَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْ شُرُورِ أَذَاهَا
غَدَتْ بِكُلِّ قُبْحٍ وَسُوءٍ مَنْعُوتَةً
فَسُحْقاً لِمَنْ أَمْسَى الْغَدْرُ مُنَاهَا
غَدَتْ لِكُلِّ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي حَامِلَةً
فَثِقْلُ هَذَا الْوِزْرِ لِلصَّوَابِ أَنْسَاهَا
تُمْسِي بِأَفْرَاحِهَا لَاهِيَةً وَمُنْشَغِلَةً
لَكِنَّ نَارَ الْجَحِيمِ غَداً مُنْتَهَاهَا
فَلَا تَحْسَبَنْ أَنَّ غَفْلَةَ الدَّهْرِ دَائِمَةٌ
فَلِكُلِّ ظَالِمٍ يَوْمٌ سَيَلْقَى جَزَاهَا
فَهَذِي الأَفْعَالُ وَإِنْ تَزَيَّنَ قُبْحُهَا
مَنْبُوذَةٌ، وَالسُّوءُ فِي مَرْتَجَاهَا
وَإِنْ تَلَطَّفَ ذُو الرَّدَى بِحَدِيثِهِ
فَالسَّمُّ يَسْكُنُ بَيْنَ طَيِّ رُؤَاهَا
إِنَّ الْوَشَايَةَ جَذْوَةٌ مَشْعُولَةٌ
سَيَصْطَلِي بِلَهِيبِهَا مَنْ ذَكَاهَا
وَمَنْ يَزْرَعِ الشَّرَّ فِي النَّاسِ فَرِحاً
يَأْكُلْ مَرَارَةَ ثَمْرِهِ يَوْمَ جَنَاهَا
وَالْحَقُّ يَظْهَرُ لَوْ تُغَطَّى بِالْكَذِبْ
وَالْكَذِبُ يَخْزَى بَعْدَ كَشْفِ مُنَاهَا
وَإِنِ اسْتَلَانَتْ لِلشَّيَاطِينِ الْوُجُوهُ
فَإِنَّ أُلْفَتَهَا لِكُلِّ خَفِيٍّ مَأْوَاهَا
وَاحْفَظْ لِسَانَكَ إِنَّ فِي الصَّمْتِ الْحِكْمَةَ
وَصُنِ السَّرَائِرَ كَيْ تُجَنَّبَ أَذَاهَا

