قطار بين حاضر والماضي .. للأديبة ندى عبدتاختاق

بقلمي. ندي عبد الخالق

عنوان قصه قطار بين حاضر والماضي

بارت 6

وقبل أن تسقط…

كان هكان قد التقطها بين ذراعيه.

نظر إلى وجهها الشاحب، وقال بحزن:

— سامحيني يا ليلى… لكن لم يكن أمامي سبيلٌ آخر لحمايتك.

حملها برفق، ثم خرج بها من المخزن.

فتح باب السيارة، ووضعها في المقعد الأمامي بعناية، ثم ربط حزام الأمان حولها.

ظل ينظر إليها للحظات، وكأن شيئًا بداخله يأبى أن يتركها، قبل أن يدير المحرك وينطلق.

كان الليل قد أرخى ستاره على المدينة، والطرقات شبه خالية.

أما داخل السيارة…

فلم يكن يُسمع سوى أنفاسها الهادئة، وصوت قلبه الذي لم يعرف السكينة منذ سنوات.

في صباح اليوم التالي…

تسللت أشعة الشمس عبر النافذة، لتغمر غرفةً هادئة بأثاثها البسيط وألوانها الدافئة.

بدأت ليلى تستعيد وعيها ببطء.

فتحت عينيها، وأخذت تتلفت حولها باستغراب.

المكان غريب عنها.

جلست على السرير بسرعة، وهي تحاول جمع شتات ذاكرتها وتذكّر ما حدث.

ثم نهضت وخرجت من الغرفة.

كان هكان يجلس في غرفة المعيشة، مرتديًا بنطالًا منزليًا وقميصًا مفتوح الأزرار، يحتسي قهوته بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.

وقفت أمامه وقالت بانفعال:

— هكان!

لم يرفع رأسه.

واكتفى بارتشاف رشفة أخرى من قهوته.

ازداد ضيقها، فقالت بصوت أعلى:

— هكان! ألا تسمعني؟

رفع عينيه إليها أخيرًا، وقال بهدوء:

— اخفضي صوتك.

عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيق:

— أريد أن أعرف لماذا أنا هنا.

أجاب ببساطة:

— لأنني أحضرتك.

زفرت بضيق، وقالت:

— أعلم أنك أحضرتني… لكن لماذا؟

نهض من مكانه، ثم اتجه نحوها بخطوات هادئة.

تراجعت خطوة إلى الخلف، وقالت مرتبكة:

— أولًا… اذهب وارتدِ ملابسك، ثم نتحدث.

نظر هكان إلى ملابسه، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

— يعجبني الأمر هكذا.

اشتعل وجهها من شدة الإحراج، وقالت بسرعة:

— حسنًا… سأغادر.

استدارت واتجهت نحو الباب.

لكن صوته أوقفها.

قال بهدوء أربكها:

— إلى أين تذهبين… يا زوجتي؟

تجمدت في مكانها.

ثم استدارت نحوه ببطء.

كانت الصدمة واضحة في عينيها.

قالت بعدم تصديق:

— ماذا قلت؟

كرر الكلمة نفسها بكل هدوء:

— زوجتي.

هزت رأسها بعنف، وقالت:

— هل جننت؟!

أنا زوجتك؟

كيف؟!

اقترب منها حتى أصبح على بُعد خطوات قليلة، ثم اتجه إلى درج قريب، وأخرج منه ملفًا صغيرًا.

وضعه أمامها، وقال بثبات:

— لأنك وقّعتِ بنفسك.

نظرت إلى الأوراق بسرعة.

وما إن وقعت عيناها على توقيعها أسفل عقد الزواج، حتى اتسعت عيناها بذهول.

رفعت رأسها إليه، وتمتمت:

— مستحيل…

كيف فعلت هذا؟

لم أنتظر حتى أقرأه!

أجابها وهو ينظر إليها بثبات:

— قلت لكِ… ثقي بي.

اشتعل الغضب في عينيها.

تقدمت نحوه وصفعته بقوة على وجهه.

دوّى صوت الصفعة في أرجاء الشقة.

أغمض هكان عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء.

لم يغضب.

ظل واقفًا في مكانه، ينظر إليها بصمت.

لكنها، في تلك اللحظة، لاحظت تغير ملامحه.

برزت عروق عنقه، واحمرّت عيناه من شدة الانفعال.

تراجعت خطوة.

ثم أخرى.

وفجأة…

اجتاحتها ذكريات مؤلمة، فبدأ جسدها يرتجف دون إرادة منها.

تراجعت حتى اصطدمت بالحائط، ثم انزلقت إلى الأرض.

وضعت يديها فوق رأسها، وصرخت باكية:

— لا…

أرجوك…

لا تضربني!

ظل هكان ينظر إليها في ذهول.

لم يفهم سبب هذا الرعب الذي سيطر عليها فجأة.

اقترب منها سريعًا، ثم جلس أمامها، وقال بقلق:

— ليلى… انظري إليّ.

لكنها لم تستطع التوقف عن البكاء.

وبعد أن هدأ الموقف قليلًا، ساعدها على الاسترخاء حتى بدأت أنفاسها تستقر تدريجيًا، ثم استسلمت للنوم.

وبعد دقائق…

كانت قد غفت بين ذراعيه.

نظر هكان إلى وجهها طويلًا، وكأن مئات الأسئلة اجتمعت في رأسه دفعة واحدة.

ثم همس بأسى:

— منذ متى أصبحتُ أنا مصدر خوفك؟

وأي سرٍّ تخفينه عني حتى الآن؟

حملها برفق، وأعادها إلى غرفتها.

غطاها بالبطانية، ثم ظل واقفًا عند باب الغرفة، ينظر إليها بصمت.

وفي تلك اللحظة…

أقسم في داخله أنه لن يهدأ…

حتى يعرف الحقيقة كاملة.

أضف تعليق