مَا لَمْ يَقُلْهُ القَمَرْ
مَا لَمْ يَقُلْهُ القَمَرْ..
خَبَّأَتْهُ الرِّيحُ فِي صَدْرِ المَسَاءِ
سِرُّنَا المَكْتُومُ فِي لَوْحِ المَحَاقْ!
كُلُّ حُزْنٍ عَابِرٍ مَرَّ بِهِ..
صَارَ نَجْماً فِي مَجَرَّاتِ الفِرَاقْ.
مَا لَمْ يَقُلْهُ القَمَرْ..
أَنَّنَا نَرْكُضُ فِي طِينِ المَدَى
نَشْتَهِي الضَّوْءَ.. وَنَنْسَى أَنَّنَا
نَحْنُ أَبْنَاءُ الفَنَاءْ!
كُلَّمَا أَوْرَقَ فِينَا أَمَلٌ
جَفَّ فِي كَفِّ السَّمَاءْ.
تَائِهٌ هَذَا الفَضَاءْ..
يَسْأَلُ الصَّمْتَ عَنِ الوَجْهِ الذِي
غَابَ خَلْفَ الغَيْمِ يَوْماً وَاسْتَتَرْ..
مَا لَمْ يَقُلْهُ القَمَرْ!
كَمْ نَفَضْنَا الصَّوْتَ فِي تِيهِ المَدَى
كَمْ سَأَلْنَا الخَوْفَ عَنْ طَعْمِ الطَّرِيقْ!
وَأَنَا الشَّاعِرُ.. مَطْرُودٌ هُنَا
فِي مَرَايَا الرُّوحِ.. يَغْتَالِي البَرِيقْ
يَا رَفِيقَ السَّهَدِ.. هَلْ نَحْنُ سِوَى
ظِلِّ أَوْهَامٍ.. مَحَاهَا المُغْتَرِبْ؟
نَكْتُبُ الشِّعْرَ رَمَاداً بَارِداً
وَالحَكَايَا فِينَا جَمْرٌ يَلْتَهِبْ!
كُلَّمَا مَدَّ لَنَا الضَّوْءُ يَداً
أَطْفَأَ العُمْرُ مَصَابِيحَ السَّفَرْ..
هَكَذَا نَمْضِي.. وَيَبْقَى فَوْقَنَا
مَا لَمْ يَقُلْهُ القَمَرْ!
كَمْ أَذَابَ اللَّيْلُ عُشَّاقاً هُنَا
وَاسْتَبَاحَ السُّهْدُ أَجْفَانَ المَحَارْ
كُلَّمَا ضَمَّ حَبِيبٌ كَفَّ مَنْ
يَشْتَهِي.. مَالَتْ نُجُومٌ لِلانْتِحَارْ!
يَا لَيَالِي الوَجْدِ.. كَمْ مِنْ قُبْلَةٍ
أَوْرَقَتْ فِي الظِلِّ.. لَمْ يَعْلَمْ بِهَا
أَحَدٌ.. إِلَّاهُ.. يَسْقِيهَا المَطَرْ!
يَحْفَظُ الهَمْسَ الرَّقِيقَ المُخْتَبِي
فِي ثِيَابِ الغَيْمِ.. إِذْ عَزَّ الأَثَرْ
كُلُّ نَجْوَى أَشْعَلَتْ جَمْرَ الهَوَى
كُلُّ دَمْعٍ ذَارِفٍ عِنْدَ السَّحَرْ..
عَلِقَتْ فِي هُدْبِهِ.. لَكِنَّهُ
آثَرَ الصَّمْتَ.. وَخَبَّا مَا بَصَرْ!
وَالمَسَافَاتُ التِي تَشْكُو المَدَى
فِي رِمَالِ البِيدِ.. يَطْوِيهَا الأَنِينْ
كُلَّمَا أَوْغَلَ فِي اللَّيْلِ السُّرَى
جَدَّدَ الحَادِي لُحُونَ الرَّاحِلِينَ!
يَرْفَعُ الصَّوْتَ.. شَجِيّاً بَاكِياً
يَسْكُبُ الآهَاتِ فِي كَأْسِ السَّهَرْ
يَقْطَعُ العَتْمَةَ بِالوَجْدِ الذِي
صَاغَهُ الحِرْمَانُ.. فِي أَبْهَى صُوَرْ
وَالرِّكَابُ السُّمْرُ تَمْضِي خَلْفَهُ
تَقْتَفِي الضَّوْءَ.. وَتَلْهُو بِالأَثَرْ
تَحْسَبُ النَّجْمَ دَلِيلاً.. وَالهَوَى
سِرُّ عَيْنَيْهِ.. وَمَا أَخْفَى القَمَرْ!
مَا الذِي لَمْ يَقُلْهُ القَمَرْ؟
لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ جَسَدٌ مِنْ حَجَرْ!
مَيِّتٌ.. بَارِدٌ.. وَمُصَابٌ بِعُقْمِ السَّدِيمْ
وَأَنَّ الضِّيَاءَ الذِي تَعْبُدُهْ..
لَيْسَ إِلَّا انْعِكَاساً لِرُوحِكَ أَنْتَ
وَأَنَّكَ أَنْتَ الضِّيَاءُ العَظِيمْ!
لَمْ يَقُلْ لِلْعَاشِقِينَ: أَنَا مِرْآتُكُمْ
كُلَّمَا اشْتَعَلَتْ فِيكُمُ اللَّهْفَةُ.. اسْتَنَرْتْ!
وَلَوْ أَنَّ نَارَ الهَوَى انْطَفَأَتْ فِي القُلُوبِ
لَأَصْبَحْتُ عَتْمَةَ هَذَا الفَضَاءْ..
وَمَا بَانَ نَجْمٌ.. وَلَا صَوْتُ حَادٍ عَبَرْ!
هُوَ الخَوْفُ يَا شَاعِرِي أَنْ نَرَى..
بِأَنَّ المَدَى كُلَّهُ هُوَ نَحْنُ..
فَيَسْقُطُ سَقْفُ الصُّوَرْ!
لِذَا خَبَّأَ السِّرَّ.. صَانَ النَّظَرْ..
وَمَا قَالَهُ القَمَرْ!
بقلمي نبأ البشيري

