قولي يا حليمة عن سر النور .. للشاعرة هدى شوكت

قولي لي يا حليمةُ عن سرِّ النورِ

يا مرضعَ المصطفى، يا نبعَ الطُّهورِ

قولي حين ضممتِه بين ذراعيكِ

هل أبصرتِ في وجهِه بدرَ البدورِ؟

هل شعرتِ بأنَّ قلبَكِ قد غدا

بحرًا من الحبِّ، واسعًا كالبحورِ؟

هل جرى اللبنُ المباركُ في ثدييكِ

فأحيا في الفؤادِ جميلَ السرورِ؟

وقلتِ: ما هذا اليتيمُ الذي أرى

في وجهِه بشرى تُضيءُ لنا الدهورِ؟

لما حملتِه، تبدّل حالُكِ

وازدانَ عيشُ القومِ بعدَ العُسْرِ؟

جاء الخيرُ يسعى في بني سعدٍ

وتفتّحتِ المراعي بالزهورِ

وأقبلتِ الشياهُ ممتلئاتٍ

بعد الجدوبِ، ففاض منها من غزيرِ

وصار اللبنُ في الضرعِ غزيرًا

بعدما كان الشحُّ فيه بلا ظهورِ

وكانت دابتُكِ العجفاءُ يومًا

تؤخّرُ ركبَكم بين المسيرِ

فلما ضممتِ خيرَ الخلقِ صارتْ

تسبقُ الركبانَ في سيرٍ يسيرِ

تقولين: ما هذا الذي حلَّ بنا؟

وأيُّ بركةٍ هطلتْ بغيرِ مطيرِ؟

وقيلَ إنَّ أهلَ سوقٍ أبصروا

بجبينه نورَ صبحٍ مستنيرِ

فراحوا يتساءلونَ عن غلامٍ

له شأنٌ سيعلو في المصيرِ

ولكنَّ أعظمَ السرِّ كان

بذلك القلبِ الطاهرِ الكبيرِ

أحببتِه حتى غدا منكِ جزءًا

وصارَ فراقُه أمرًا عسيرِ

وأحاطته أختاهُ في الباديةِ

بحبٍّ صادقٍ، وقلبٍ غريرِ

وشيماءُ، أختُه في الرضاعِ، كانتْ

تدورُ حوله بحبٍّ غزيرِ

تلاعبه، وتحمله حينًا

وتحرسُ خطوهُ بعينِ الحذيرِ

وأخوهُ الذي رضعَ معه كانَ

رفيقَ طفولتهِ في كلِّ سيرِ

فما أحلى أخوّةَ الرضاعِ إذْ

تآلفَ قلبُ طفلٍ مع صغيرِ

وكان محمدٌ في البيتِ بدرًا

يضيءُ الليلَ في وجهِ الغديرِ

إلى أن جاء يومٌ هزَّ قلبًا

وألقى في الفؤادِ عظيمَ الزفيرِ

خرجَ الصبيُّ مع أخيهِ يلعبانِ

في ظلِّ البيدِ، في يومٍ منيرِ

فجاء أخوهُ يرجفُ من خوفٍ

وينادي: أدركي الأمرَ الخطيرِ!

وقال: رأيتُ رجلينِ أتيا

فشقّا صدرَهُ شقًّا بغيرِ نكيرِ

فهرعتِ إليهِ والقلبُ يرجفُ

كأمٍّ خافتْ على بدرٍ منيرِ

فوجدتِه قائمًا، والقلبُ طاهرٌ

وقد حفظَ الإلهُ له المصيرِ

وكانت قصةُ الشقِّ ابتداءً

لأمرٍ جلَّ عن وصفِ البشرِ

فسبحانَ الذي اختارَ الحبيبَ

وطهّر قلبَهُ من كلِّ شرِّ

فكيف استطعتِ أن تردّيهِ يومًا

إلى أمٍّ تحنُّ لهُ حنينَ أسيرِ؟

وكيف سلّمتِ نورَ القلبِ عنها

وقد صارَ الفؤادُ به أسيرِ؟

ولكنَّ الأمانةَ كانتْ عهدًا

فما خنتِ العهودَ ولا الضميرِ

ذهبتِ إلى آمنةَ وفي عينيكِ

دموعُ الوجدِ من ألمِ الفراقِ المريرِ

وقلتِ: يا أمَّ النبيِّ خذيهِ

فقد ردَّ الإلهُ لكِ الغديرِ

فهو ابنُكِ، وإن أقامَ ببيتنا

فقد أصبحْتُ أمًّا في الشعورِ

وما كان الفراقُ لهيِّنٍ

على قلبٍ تربّى على الحنانِ الغزيرِ

تركتهِ، لكنَّ ذكراهُ ظلتْ

تسافرُ في عروقِكِ كالعطورِ

وظلَّ الخيرُ في بني سعدٍ

شهادةَ حبِّه طولَ الدهورِ

فيا حليمةُ، يا أمَّ الحبيبِ

لكِ في التاريخِ منزلةُ الصدورِ

حملتِ المصطفى طفلًا رضيعًا

فحملتِ البركةَ الكبرى بنورِ

وسوف يظلُّ اسمُكِ في قلوبٍ

تحبُّ محمدًا، خيرَ البشيرِ

سلامٌ يا حليمةُ من فؤادٍ

يحبُّ المصطفى حبَّ الغيورِ

وسلامُ اللهِ ما طلعتْ شمسٌ

وما هبَّ النسيمُ على الزهورِ

على المختارِ، طه، خيرِ خلقٍ

شفيعِ الخلقِ، بدرِ كلِّ نورِ

وعلى آلهِ وصحبِه جميعًا

عددَ ما ردّدَ المحبُّ: يا رسولِي

بقلمي

الأديبة المصرية هدى شوكت

أضف تعليق