عندما يستقرُّ الفنجانُ بين يديّ، أشعرُ أنّ العالمَ كلَّه قد انكمشَ في دائرةٍ صغيرةٍ من البخارِ والسُّكر.
هناك، على حافّةِ الرشفةِ الأولى، تتصالحُ الذاكرةُ مع جراحِها، وتعودُ الأمكنةُ البعيدةُ لتجلسَ إلى جواري كأصدقاءَ لم تُطفئهم السنون.
في المسافةِ الفاصلةِ بين العطرِ والنجمِ، تنشأُ ممالكُ الخيال. أرى الرائحةَ لونًا، وأسمعُ الضوءَ موسيقى، وألمسُ الكلماتِ كما لو أنّها كائناتٌ من حرير. وحين تتآلفُ الحواسُّ في هذا العناقِ السرّي، يُصبحُ الشعرُ أكثرَ من كتابة؛ إنّه حياةٌ أخرى تُضافُ إلى أعمارِنا.
ما أجملَ أن يحملَ الإنسانُ في قلبهِ فنجانًا من سُكّرِ المعاني، وفي روحهِ نجمةً لا تنطفئ. فبين نشوةِ الحرفِ وسحرِ الخيال، يولدُ ذلك الكائنُ الغامضُ الذي نسمّيه قصيدة؛ قصيدةٌ تُضيءُ العتمةَ، وتتركُ في أصابعِ الزمنِ رائحةَ الذين مرّوا من هنا وأحبّوا الحياة.
بقلمي / م-عبد الحفيظ أبو تمام

