ثقافة القطيع والسفينة المثقوبة : فلسفة الذهنية المهزومة .. للأستاذ عبد الله إبراهيم جربوع

ثقافة القطيع والسفينة المثقوبة: فلسفة الذهنية المهزومة

إن أكبر نكسة يتعرض لها الإنسان ليست أن يُفرض عليه ما لا يرضاه، بل أن يرضى هو بما لا يرضاه، وهنا يبدأ السقوط الذي لا قاع له، حيث يتطوع المرء ليكون جزءا من القطيع، يمشي مع من يعلم أنهم يمشون نحو الهاوية، والطامة أن هذا السقوط اختياري، إنه سقوط بإرادة حرة لكنها إرادة مبرمجة على ثقافة القطيع، إرادة تعلمت أن الأمان في الزحام حتى لو كان الزحام يركض نحو الغرق.

إن أكبر أخدوعة يتعرض لها الوعي هي الصعود مع المهزومين إلى السفينة المخرومة، وهو يرى الخرق رأي العين، ويرى الماء يتسلل من ألف ثقب، لكن الشيء الذي يحرك الخدعة ليس الجهل، بل عدم الاستقلالية الفكرية، فالإنسان حين يفقد استقلاله يصبح تابعا للتيار، والتيار اليوم ليس نهرا واحدا صافيا، بل هو مستنقع مليء بالتشتت والضجيج والآراء المتناقضة التي تصب في اللحظة نفسها، في هذا التشتت يفقد الإنسان بوصلته الوجودية، وينسى سؤال الوجود الأهم: من أنا وماذا أريد، ويستبدله بسؤال القطيع: أين يذهب الجميع.

والطامة الكبرى أنه يعلم أنه في الطريق الخطأ، يعلم في قرارة نفسه أن المسار فاشل، لكن هناك رصيدا وهميا في عقله الباطن يقول له إن الهزيمة قدر لا مفر منه، فيبدأ العقل المهزوم بعملية حسابية فاسدة، يقول لنفسه ما دامت الهزيمة لا محالة فالأفضل أن أكون مهزوما مع الرفاق وليس بمفردي، وهنا يتحول من ضحية إلى شريك في صناعة الهزيمة، بل يصبح متعاونا على فرض الهزيمة كقانون عام، كي لا يشعر بوخز الوحدة، فالوحدة عند الذهنية المهزومة أشد ألما من الغرق الجماعي، لذلك يدافع عن السفينة المثقوبة ويرقع ثقوبها بالأكاذيب ويهاجم كل من يحاول إنقاذه.

لماذا لا نستفيد من الركاب الذين صعدوا قبلنا، ملء أعيننا نراهم بعد أن أبحروا، نراهم وكل واحد مكتوب على جبينه أنا هُزمت ألف مرة، جباههم ليست لحما وعظما، بل هي أرشيف حي للفشل، هي كتب مفتوحة عنوانها الندم، فكيف يمكن أن نكون بهذه السذاجة الفاضحة ثم نبحر ونحن نعلم النتيجة الفاشلة، إنها سذاجة ليست من نقص المعلومة بل من وفرتها، لأن ثقافة القطيع علمتنا أن ننظر إلى عدد الركاب لا إلى مصير الركاب، علمتنا أن الكثرة معيار للحق، والحقيقة الفلسفية تقول إن الكثرة قد تجتمع على الباطل أكثر مما تجتمع على الحق، فالوعي الفلسفي العميق يعلمنا أن الوجود لا يقاس بالعدد بل بالمعنى، وأن الإنسان الذي يقرأ جبين من سبقه لا يحتاج أن يكرر غرقه، يكفيه أن يفهم أن السفينة التي أغرقت غيره ستغرقه، وأن التاريخ لا يعيد نفسه، بل نحن من نعيد حماقاتنا أمام نفس التاريخ.

إن المفكر الحقيقي هو الذي ينزل من السفينة قبل أن تبحر، يقف على شاطئ العزلة الواعية، ويبني قاربه الصغير من خشبة الحقيقة، قد يصل متأخرا لكنه يصل حرا، وخشبة تطفو بك وحدك خير من سفينة تغرق بالجميع وهم يصفقون.

عبدالله ابراهيم جربوع

أضف تعليق