نثرتُ لها روحي .
قالت بغنجٍ ووفتنة ودلالٍ لا يُقاومُ : وكم من مرَّةٍ نعتني بأنا الجميلةِ وسيِّدةِ كلِّ نساءِ الدُّنيا وعِوضِ السَّماءِ ! أرُخْصَةُ كَذِبٍ شرعيِّةٍ تَسْتَظِّلُ بها ، أم كالشِّعرِ ؛ أجْمَلُه أكذَبُه ؟
وأنا أعانقُ أناملَها وأبُحرُ بعمقِ عَيْنَيْها بدربِ إدمانٍ وهذيانٍ ؛ السرُّ في ” التِّي كانتْ ” .
تطايرتْ ابتسامتُها بِحَيْرةٍ ظمأى ، وعينٍ زائغةٍ …
أحكمتُ تلاصقَ أناملِنا المُتعانِقةِ عشقًا ووطنًا وأمنًا لا يخونُ ؛ نثرتُ لها روحي قمحًا يُطعِمُ جوعَ أيامِها ونَهَمَ ليالِيها ، أسقيتُها شُغافَ قلبي لتروي صحراءَ عمرِها ، أسلتُ لها عَيْنَ القِطْرِ مَحبَّةً ، كنتُ طَوْعَ يَمِين إرضائها كريحِ سليمانَ ، غدوها طرفةُ عينِها ، ورواحُها فرطُ عشقٍ لها وهيامٍ بلا نفادٍ ، بلا انتهاءٍ ، صنعتُ لها من إكسيرِ روحي ونبضاتِ قلبي وأنفاسِ عمري محاريبَ حبٍّ وتماثيلَ عشقٍ وقرابينَ إخلاصٍ ووفاءٍ ، أوقفتُ حياتي عليها وحدَها ، كقدورٍ راسياتٍ بساحةِ دارِها !
عبثًا وهي تحاولُ خلاصَ أناملها من سحقِ قبضَتي ، لتمسحَ عنِّي هديرَ عرقي ولظى تَوَّتُري واضطرابي ؛ يا ليتني ما سألتكَ حبيبي !
لم أنتظرْ منها مكافأةَ عطاءٍ سوى ابتسامةِ رضا أو امتنانِ عينٍ شاكرةٍ ، كيف هُنت عليها وتَرَكَتْ دابَّةَ الأرضِ تأكلُ منسأةَ عرشٍ بَنَيْتُه بحبٍّ لا نظيرَ له بدنيا العاشقين ؟ آمنتُ بها عشقًا كنورِ الشَّمسِ لا انتهاءَ له ، ونَسَيْتُ أنَّ قليلًا من منتسبي مملكةِ العشقِ الشَّكورُ ، كنتُ لها جنَّاتٍ لا خريف لها ، فأنًَّى لها تكافئني بصحراءَ قلبٍ حصادُه أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشيءٍ من حبٍّ قليلٍ ؟ تلك التِّي كانتْ لي الدُّنيا وفتنتَها وبهجتَها ، ها هي صارتْ كأحاديثَ سَمَرٍ باردٍ ، مَزَّقتُها – كرسائلي لها – كلَّ مُمَزَّقٍ ، كيف رَاهَنَتْ يومًا على حُبِّي لها وكأنَّني عبدُ إشارتها ، ووثيقةُ حريتي مِلْكٌ لها ؟ كيف قامرتْ على عاشقٍ صبورٍ أرغمته على إنفجارٍ فيزوفَ لا يُبقي ولا يذرُ؟
جمعتْ أناملَها من خلفِ ظهري ، وأحكمتْ ضمِّي إلى صدرِها ، وتمازجَ ندمُ سؤالها مع دمعةٍ حائرةٍ أبتْ مغادرةَ مآقي عَيْنِي ، وهَمَسَتْ بشفقةِ أمٍّ رؤومٍ … يا ليتني ما سألتْ .
اقتباس من كتابي ( أحببتك رغم أنف قبيلتك وقبيلتي )
الكاتب والروائي د ـ علاء أبو شحاتة

