ملكة النور وقاهرة الظلام .. للشاعر د . رمضان بلال

ملكة النور وقاهرة الظلام

الحكاية الثانية: حين خبّأت إيزيس شمس المستقبل

بقلم: د/ رمضان بلال

أكاديمية العبادي للأدب والسلام

كان الليل قد ألقى عباءته الثقيلة على أرض مصر…

وسكنت المياه، وخفتت أصوات القرى، ونامت الطيور فوق أغصانها، بينما كانت في مكان بعيد امرأة تمشي وحدها، تحمل بين ذراعيها طفلًا صغيرًا، وتحمل في قلبها سرًا أكبر من أن تحتمله امرأة.

كانت إيزيس تعرف أن الظلام لم ينتهِ.

لقد سقط أوزيريس، نعم…

لكن ست، الذي أشعل نار الفوضى، لم يكن قد نسي أن هناك طفلًا يحمل دم أوزيريس.

حورس.

ولهذا لم تكن المعركة القادمة على الماضي…

بل على المستقبل.

حين يصبح الطفل وطنًا

نظرت إيزيس إلى طفلها طويلًا.

كان نائمًا، لا يعرف شيئًا عن الصراع الذي يدور حوله، ولا عن أبيه الذي غاب، ولا عن العرش الذي ينتظره، ولا عن الظلام الذي يترصد خطواته قبل أن يتعلم حتى كيف يمشي.

وضمته إلى صدرها.

وفي تلك اللحظة، لم تكن إلهة عظيمة في الأسطورة…

كانت أمًا.

والأم حين تخاف على طفلها، تستطيع أن تفعل ما لا يستطيع جيش كامل أن يفعله.

قررت أن تختفي.

أن تبتعد عن عيون ست.

أن تحمل طفلها إلى مكان لا تصل إليه يد الفوضى.

وهكذا بدأت رحلة جديدة…

رحلة لم تكن فيها إيزيس تبحث عن أوزيريس هذه المرة، وإنما كانت تبحث عن الأمان.

في أحضان المستنقعات

قادتها رحلتها إلى أحراش الدلتا، حيث القصب والماء والطيور، وحيث يستطيع الإنسان أن يختفي إذا عرف أسرار المكان.

هناك أخفت طفلها.

كانت تعرف أن المكان ليس قصرًا، وليس حصنًا من الذهب، وليس جيشًا مدججًا بالسلاح.

لكنه كان كافيًا…

لأن أقوى حصون الحياة أحيانًا ليست الجدران.

إنها إرادة من يحرسها.

كانت إيزيس تسهر على طفلها.

إذا نام، بقيت مستيقظة.

وإذا بكى، أسرعت إليه.

وإذا شعرت أن خطرًا يقترب، حملته ورحلت.

كانت تعلم أن ست لا يحتاج إلى أن يرى الطفل كبيرًا حتى يخشاه.

ففي عروق حورس كان يجري شيء يخيف الظلام:

إرث أوزيريس.

ثم جاء الخطر

وفي إحدى الليالي، حدث ما كانت تخشاه.

أصيب حورس بالأذى.

ارتجف قلب أمه.

نظرت إليه، وكأن العالم كله قد توقف عند وجهه الصغير.

لم تكن أمامها جيوش تحاربها…

بل كان أمامها خوف أم.

وفي لحظات كهذه، لا تنفع القوة وحدها.

رفعت إيزيس قلبها قبل يديها، واستعانت بما تعرفه من أسرار الطبيعة وقوى الشفاء.

كانت تقول للحياة:

لا تأخذيه مني.

وكانت تلك الصرخة، في معناها الرمزي، أكبر من صرخة امرأة.

كانت صرخة الحياة في وجه الموت.

حين تكشف الأم سرّها

لم تكن إيزيس تعرف أن قوتها الحقيقية تكمن فقط في السحر.

لقد كانت تعرف شيئًا أعمق:

أن المعرفة نفسها قوة.

كانت تراقب النجوم.

تعرف حركة الماء.

تفهم أسرار النباتات.

وتدرك أن لكل مرض علاجًا، ولكل خوف بابًا، ولكل ظلام نقطة ضعف.

ولهذا أصبحت في الذاكرة المصرية رمزًا للحكمة والسحر والشفاء والحماية.

لكنها لم تستخدم معرفتها للسيطرة…

بل استخدمتها لحماية من تحب.

وهنا يكمن الفرق بين القوة التي تصنع الطغيان، والقوة التي تصنع الرحمة.

كبر الطفل… وكبر معه الوعد

مرت الأيام.

وكبر حورس.

والطفل الذي كانت أمه تخبئه بين القصب أصبح شابًا يعرف من هو.

عرف قصة أبيه.

وعرف كيف سقط أوزيريس.

وعرف أن وراء موته يدًا صنعت الفوضى.

وهنا أدركت إيزيس أن زمن الاختباء قد انتهى.

لقد قامت بدورها.

حمت الطفل حتى أصبح قادرًا على حماية نفسه.

والآن كان عليه أن يواجه قدره.

لكنها لم تكن تريد له أن يصبح نسخة من أعدائه.

لم تعلمه الكراهية.

بل علمته أن استعادة الحق لا تعني أن تتحول إلى صورة أخرى من الظلم.

قالت له، في المعنى الذي يمكن أن نستخلصه من الحكاية:

لا تجعل الظلام الذي حاربته يسكن قلبك.

المعركة الحقيقية

وحين وقف حورس في مواجهة ست، لم تكن المعركة مجرد صراع على عرش.

كانت مواجهة بين فكرتين:

النظام في مواجهة الفوضى.

والحق في مواجهة الغدر.

والحياة في مواجهة الموت.

وفي الخلفية كانت إيزيس تراقب.

الأم التي بدأت قصتها وهي تجمع أشلاء زوجها، أصبحت الآن ترى ابنها يقف على قدميه.

وهنا فقط أدركت أن رحلتها لم تكن عبثًا.

فهي لم تستطع أن تمنع الموت من أخذ أوزيريس…

لكنها استطاعت أن تمنع الموت من أخذ المستقبل.

وهنا سرّ ملكة النور

ربما لهذا تبدو إيزيس، في القراءة الرمزية الحديثة، جديرة بلقب:

ملكة النور وقاهرة الظلام.

فهي لم تهزم الظلام بضربة سيف.

بل هزمته بالصبر.

وبالحكمة.

وبالأمومة.

وبقدرتها على أن تصنع من المأساة بداية جديدة.

لقد أخذ الظلام زوجها…

فأنجبت منه أملًا.

وأخذ منها الأمان…

فصنعت لطفلها وطنًا.

وحاول أن يطفئ المستقبل…

فحملت المستقبل بين ذراعيها حتى كبر.

لكن الحكاية لم تنتهِ…

كانت إيزيس تعرف أن النصر على الظلام لا يحدث مرة واحدة.

فالظلام يعود كلما ظن الناس أنهم تخلصوا منه.

ولهذا لم تكن رسالتها أن تنتصر مرة…

بل أن تعلم أبناءها كيف يحافظون على النور.

وهنا تصبح الأسطورة مرآة لنا.

فكم من أم حملت طفلها في وجه الخوف؟

وكم من أب أخفى حزنه حتى لا يراه أبناؤه؟

وكم من إنسان وقف وسط الخراب، ثم قال:

سأبدأ من جديد.

ربما كانت تلك هي الرسالة التي تركتها إيزيس خلفها.

أن الحياة ليست في ألا نفقد…

بل في أن نعرف كيف نواصل الطريق بعد الفقد.

وأن النور ليس غياب الظلام…

بل القدرة على إشعاله حين يحاصرنا الظلام.

وهكذا، في تلك الليلة البعيدة من ليالي مصر القديمة، كانت إيزيس تنظر إلى حورس…

والشمس لم تكن قد أشرقت بعد.

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا:

أن الفجر لا يحتاج إلى إذن من الليل.

فحين يولد الأمل…

يبدأ الظلام في الرحيل.

وللحديث بقية…

ملكة النور وقاهرة الظلام

الحكاية الثالثة: حين وقف حورس أمام سيد الفوضى

د/ رمضان بلال

أكاديمية العبادي للأدب والسلام

أضف تعليق