سلسلة بناء الإنسان – الفصل الأول -لماذا نبدأ ببناء الإنسان .. للدكتورة عزة حمدي سند

بسم الله نبدأ…

ومن اليوم لن يكون هذا مجرد مقال، بل الفصل الأول من مشروع أردنا له أن يبقى، وأن يترك أثرا في كل بيت، وفي كل من يقرأه.

سلسلة: بناء الإنسان

الفصل الأول

لماذا نبدأ ببناء الإنسان؟

بقلم: د. عزة حمدي سند

حين نتحدث عن بناء المجتمع، تتجه الأذهان إلى المدارس، والجامعات، والمؤسسات، والأنظمة، والقوانين. وهي جميعها ركائز مهمة، لكنها ليست نقطة البداية.

فالمجتمع لا يبنى من الخارج أولا، وإنما يبنى من الداخل… من الإنسان.

فالإنسان هو الذي يضع القانون أو يخالفه، وهو الذي ينشئ الأسرة أو يهدمها، وهو الذي يبني المؤسسة أو يضعفها. ولذلك فإن أي مشروع للإصلاح يبدأ من غير الإنسان يشبه من يحاول علاج أغصان الشجرة، بينما يترك جذورها مريضة.

ولعل هذا ما يفسر لنا أن مجتمعات تمتلك إمكانات كبيرة، لكنها تعاني من مشكلات متكررة، بينما استطاعت مجتمعات أخرى، بإمكانات أقل، أن تحقق نهضة لافتة؛ لأن الاستثمار الحقيقي كان في الإنسان قبل كل شيء.

وقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في قاعدة خالدة، فقال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[الرعد: 11]

إنها ليست دعوة إلى انتظار التغيير، بل دعوة إلى صناعته.

ومن واقع سنوات من العمل في مجال الإرشاد الأسري وإعداد قيادات المرأة العربية، أدركت أن كثيرا من المشكلات التي نناقشها كل يوم ليست أصل الداء، وإنما هي نتائجه. فالخلافات الأسرية، وضعف الحوار، وتراجع المسؤولية، والعنف اللفظي، وفقدان الثقة، كلها لا تبدأ فجأة، وإنما تنمو بهدوء داخل الإنسان، ثم تمتد آثارها إلى أسرته، ثم إلى المجتمع كله.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: كيف نعالج المشكلة؟ بل: كيف نمنعها قبل أن تولد؟

والإجابة تبدأ من بناء الإنسان.

إن بناء الإنسان لا يعني أن نملأ عقله بالمعلومات، فالمعرفة وحدها لا تكفي. فكم من إنسان يحمل أعلى الشهادات، لكنه يعجز عن إدارة حوار هادئ مع أسرته، أو عن تحمل مسؤولية قراره، أو عن الاعتراف بخطئه.

فالبناء الحقيقي هو أن يتكامل العلم مع الخلق، والفكر مع السلوك، والنجاح مع المسؤولية.

وهنا يظهر الدور العظيم للأسرة؛ فهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الاحترام، والصدق، والانضباط، والرحمة، وتحمل المسؤولية. وما يغرس في السنوات الأولى من العمر يبقى أثره طويلا في شخصية الإنسان.

إننا لا نحتاج إلى أجيال تحفظ الكلمات الجميلة فقط، بل إلى أجيال تعيش هذه القيم في واقعها. فالقيمة التي لا تتحول إلى سلوك تبقى معلومة، أما إذا أصبحت ممارسة فإنها تتحول إلى حضارة.

ومن هنا جاءت فكرة هذه السلسلة.

لن تكون صفحاتها مجرد حديث عن التربية، أو التنمية، أو الأسرة، بل رحلة نتأمل فيها الإنسان قبل أن نتحدث عن المجتمع، ونبني الجذور قبل أن ننشغل بالثمار.

سنحاول معا أن نجيب عن أسئلة كثيرة: كيف تبنى الشخصية؟ ولماذا ينجح بعض الناس في إدارة حياتهم، بينما يتعثر آخرون؟ وكيف نصنع داخل الأسرة بيئة تخرج إنسانا واثقا، متوازنا، قادرا على العطاء؟

لن نقدم وصفات سريعة؛ فبناء الإنسان لا يتم في يوم، لكنه يبدأ بخطوة، وكل خطوة صادقة تقربنا من أسرة أكثر وعيا، ومجتمع أكثر تماسكا.

وأختم بسؤال أتركه لكل قارئ:

إذا كنا نحلم بمجتمع أفضل، فهل بدأ كل واحد منا ببناء الإنسان الذي يراه في المرآة كل صباح؟

في الفصل القادم بإذن الله:

الشخصية لا تولد مكتملة… بل تبنى.

بقلم د٠ عزه حمدى سند

أضف تعليق