إعادة رسم المنطقة… هل نحن أمام ولادة جديدة أم إعادة توزيع للمصالح؟
منذ سنوات، والمنطقة العربية تعيش على وقع تحولات متسارعة؛ حروب، واتفاقيات، وتبدلات في التحالفات، وأزمات اقتصادية، وتغيرات في موازين القوى. ومع كل حدث كبير، يتردد السؤال نفسه: هل نحن أمام إعادة رسم للمنطقة سياسيًا واقتصاديًا، وربما جغرافيًا أيضًا؟
قد يبدو هذا السؤال مشروعًا، لكن السؤال الأهم هو: لصالح من تُرسم هذه الخارطة الجديدة؟
يعتقد كثيرون أن هذه التحولات قد تفتح الباب أمام إنهاء الفساد، وإنصاف المظلومين، وإعادة بناء الدول على أسس من العدالة والكفاءة. غير أن قراءة متأنية لمسار الأحداث تدعو إلى الحذر أكثر من التفاؤل.
فالتجارب السابقة تشير إلى أن التغييرات الكبرى لم تكن دائمًا استجابة لمعاناة الشعوب، بل كثيرًا ما جاءت استجابة لتغير موازين القوى والمصالح الدولية والإقليمية. فتتبدل التحالفات، وتُغيَّر الحدود السياسية أو الاقتصادية، بينما تبقى معاناة الإنسان العادي على حالها، وربما تزداد.
وفي الحالة اليمنية، يتطلع ملايين المواطنين إلى نهاية الحرب، وقيام دولة عادلة، واستعادة الأمن والاستقرار. لكن الخشية تكمن في أن يتحول اليمن إلى مجرد ورقة تفاوض أو ساحة لتقاسم النفوذ، بحيث يُعاد توزيع الأدوار بين القوى المختلفة دون معالجة الأسباب الحقيقية التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه.
إن المشكلة ليست في تغيير الأشخاص فقط، بل في تغيير النهج. فاستبدال وجوه بأخرى، مع بقاء منظومة الفساد والارتهان للمصالح الخارجية، لن يصنع مستقبلًا مختلفًا، بل سيعيد إنتاج الأزمة بصورة جديدة.
كما أن إعادة رسم الخرائط الاقتصادية قد تمنح بعض الدول فرصًا جديدة، لكنها قد تفرض على دول أخرى مزيدًا من التبعية والديون والتحكم في القرار الوطني، إذا لم تمتلك هذه الدول مشروعًا وطنيًا مستقلًا يحمي مصالحها.
إن الشعوب لا تبحث عن خرائط جديدة، بقدر ما تبحث عن العدالة، وسيادة القانون، والتنمية، وكرامة الإنسان. فهذه هي الأسس التي تبني الأوطان، لا تبديل الأسماء أو إعادة توزيع النفوذ.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الإفراط في التفاؤل ولا الاستسلام للتشاؤم، بل قراءة الواقع بعقلانية، وفهم أن أي مشروع لإعادة تشكيل المنطقة لن يكون في صالح الشعوب تلقائيًا، ما لم تكن هذه الشعوب شريكًا حقيقيًا في صناعة مستقبلها.
الخلاصة:
قد تكون المنطقة بالفعل على أعتاب مرحلة جديدة، لكن نجاحها أو فشلها لن يُقاس بعدد الخرائط التي ستتغير، ولا بعدد الحكومات التي ستتبدل، بل بمدى قدرتها على إنصاف الإنسان، وإقامة دولة المؤسسات، وتحقيق التنمية والكرامة. أما إذا بقيت المصالح هي المحرك الوحيد، فسنكون أمام رقعة شطرنج جديدة، تُنقل عليها القطع نفسها، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر.
بقلم د. محمد عبدالله الغريش.

