أنا الغريق… ولكنِّي البحر
بقلم د/رمضان بلال
أنا الغريقُ، فلا أخشى من البللِ
وهل يُهابُ لظى الأمواجِ ذو الجَلَدِ؟
قد علَّمتني الليالي كيف أقتحمُ
وجهَ المنونِ، وأمضي غيرَ مُرتعدِ
إنَّ الشدائدَ أمِّي، وهي مرضعتي،
ومن لهيبِ الأسى صغتُ السَّنا بيدي
ما لانَ عودي إذا الأيامُ عاندتِ،
ولا انحنى الرأسُ إلا لخالقِ الأبدِ
صمم لوحه للنص
أمشي إلى الخطبِ، لا أخشى غوائلَهُ،
كأنَّ قلبي سنانُ البيضِ في الكبدِ
وأركبُ الهولَ حتى يستكينَ لهُ،
ويعترفُ الرعبُ أني سيِّدُ الجلدِ
ما ضرَّني أنَّ دهري رامَ مَصرعتي،
فالدهرُ أقصرُ من عزمي ومن جلدي
نفسي أجلُّ من التيجانِ أجمعِها،
والمجدُ يعرفُني في السهلِ والصَّعَدِ
إنَّ المكارمَ لا تُهدى لطالبِها،
لكنَّها تُنتزى بالسيفِ والعضُدِ
والحقُّ لا يعتلي إلا بصاحبِهِ،
ولا يضيءُ سوى الأحرارِ في البلدِ
إني إذا ادلهمَّتْ في الورى فتنٌ،
كنتُ السراجَ الذي لا يعرفُ الخمدِ
أستنطقُ الصخرَ حتى يورقَ الشجرُ،
وأبعثُ الفجرَ من أعماقِ مُضطرَدِ
كم عاندتني صروفُ الدهرِ ضاحكةً،
فزدتُها كبرياءَ الليثِ والأسدِ
لا أستجيرُ بغيرِ اللهِ في مِحَنٍ،
ولا أبيعُ يقيني بالهوى النكدِ
إنِّي خلقتُ لكي أسمو إلى قِممٍ،
لا يبلغُ المجدَ إلا صاحبُ الجَلَدِ
أنا ابنُ مصرَ، وفي التاريخِ ملحمةٌ،
تجري على النيلِ مثلَ الضوءِ في الأبدِ
في كلِّ شبرٍ بها للأرضِ معجزةٌ،
وفي ثراها دمُ الأبطالِ لم يَبِدِ
جيشٌ إذا استصرختْهُ الأرضُ منتفضًا،
لبَّى النداءَ كسيلِ العزمِ والمددِ
وشعبُها كلما جارَ الزمانُ بهِ،
أقامَ من صبرِهِ سورًا من الصمدِ
فدعْ ضعافَ الورى يلهونَ في زَبَدٍ،
فالزبدُ يذهبُ، والتاريخُ للشُّهُدِ
إنِّي تركتُ على الأيامِ قافيتي،
حتى غدتْ رايةً تُتلى إلى الأبدِ
أنا الغريقُ… ولكنِّي على ثقةٍ،
أنَّ البحارَ تُطيعُ العزمَ لا الزَّبَدِ
فإن سقطتُ، أقمتُ المجدَ من كبدي،
وإن نهضتُ، نهضتُ الكونَ من جلدي.
د/رمضان بلال

