عَنَاقِيدُ الغَضَبِ
قصيدةٌ ملحميّة على بحر الطويل
بقلم: عبد الحفيظ كنعان
ألا يا زمانَ القهرِ ماذا صنعتَ بنا
وماذا جنى فينا الأسى المتكاثرُ؟
أطلتَ لياليكَ السودَ حتى حسبتُها
على أفقِنا ليلًا من الدهرِ عابرُ
وسقنا إلى دربِ المآسي خطىً وما
بقي في خطانا غيرُ جرحٍ يهاجرُ
ولكنْ لنا في الصخرِ سرُّ عزيمةٍ
إذا هبَّ ريحُ اليأسِ فالروحُ صابرُ
لنا في عروقِ الأرضِ نبضُ كرامةٍ
وفي كلِّ شبرٍ من ترابِنا ثائرُ
إذا ضاقَ صدرُ الليلِ وانطفأتْ سُرُجٌ
أقمنا من الآلامِ فجرًا يُبادرُ
وإن هُدِمتْ فينا البيوتُ فإنّنا
من العزمِ نبني للكرامةِ دائرُ
وإنْ جفَّ نبعُ الصبرِ فينا فإنّنا
نشقُّ من الصخرِ الصموتِ غدائرُ
عناقيدُ غضبٍ في الضلوعِ تدلّتْ
كأنّ بها فوقَ الجراحِ جواهرُ
تخمّرَ فيها القهرُ حتى تغيّرتْ
وصارَتْ لهيبًا في الصدورِ يُسافرُ
فما الغضبُ الأعمى الذي يهدمُ المدى
ولكنْ غضابُ الحقِّ حينَ يُحاصرُ
غضبنا لأنَّ الظلمَ أطفأَ شمعةً
وكانَ لها بينَ الضلوعِ منائرُ
غضبنا لأنَّ الطفلَ يسألُ أمَّهُ
لماذا على وجهِ الصباحِ مقابرُ؟
غضبنا لأنَّ الأمَّ نامتْ على الأسى
وفي كفِّها ثوبُ الصغيرِ يُجاورُ
غضبنا لأنَّ الحقَّ صارَ غريبَنا
وصارَ على أبوابِه الظلمُ آمرُ
غضبنا لأنَّ السيفَ صارَ عقيدةً
وصارَ دمُ الإنسانِ للظلمِ جائرُ
غضبنا لأنَّ الأرضَ ضاقتْ بأهلِها
وصارَ الغريبُ على ديارِهمُ قادرُ
غضبنا، ولكنْ لا نريدُ خرابَنا
ولا أن يكونَ الموتُ فينا مصائرُ
نريدُ حياةً لا يُهانُ بها امرؤٌ
ولا تُستباحُ بها البيوتُ ستائرُ
نريدُ سماءً لا تُرى في فضائها
حرائقُ ليلٍ، أو تُهدَّمُ دُورُ
نريدُ وطنًا يمشي على جسرِ عدلهِ
وتحرسُهُ الأخلاقُ وهيَ منائرُ
فيا من زرعتَ القهرَ في كلِّ موضعٍ
ستحصدُ يومًا ما زرعتَ الدوائرُ
ويا من ظننتَ الصمتَ موتًا لأهلِه
سيوقظُ من تحتَ الرمادِ مشاعرُ
فكم أمّةٍ نامتْ على جرحِ عجزِها
وأيقظَها من بعدِ نومِها ثائرُ
وكم دولةٍ شادتْ من الظلمِ عرشَها
فأصبحَ عرشُ الظالمينَ مقابرُ
وكم جَبَلٍ ظنَّ الطغاةُ بأنّهُ
سيسقطُ، فإذا بالصخرِ فيهِ يُكابرُ
نحنُ الذينَ إذا تكاثفَ ليلُنا
تقدّمَ فينا للعواصفِ صابرُ
نحنُ الذينَ إذا انحنى ظهرُ عزمِنا
أقامتهُ فينا من المجدِ مآثرُ
لنا من رمادِ الأمسِ نارُ إرادةٍ
وللصخرِ من أقدامِنا ألفُ ذاكرُ
سنزرعُ في وجهِ الخرابِ قصيدةً
ويورقُ من بينِ الركامِ منابرُ
سنكتبُ فوقَ الريحِ أنّ كرامةً
لها في دمِ الأحرارِ عهدٌ ودائرُ
وأنَّ الذي يرضى الهوانَ لعيشهِ
يموتُ، وإنْ كانتْ بهِ الروحُ تَخْطُرُ
وأنَّ حياةَ المرءِ دونَ كرامةٍ
كظلٍّ على جدرانِ وهمٍ مسافرُ
فيا أيُّها التاريخُ سجّلْ بأنّنا
إذا اشتدَّ ليلُ الخوفِ لسنا نغادرُ
وإنْ أُغلقتْ أبوابُنا في وجوهِنا
فتحنا من الآفاقِ ألفَ معابرُ
وإنْ قيلَ: هذا الشعبُ أُنهكَ، قلْ لهمْ
تحتَ الرمادِ من العزائمِ جَمْرُ
وإنْ قيلَ: ماتَ الحلمُ، قلنا: إنّهُ
يعيشُ بقلوبِ الصابرينَ ويكبرُ
ففي كلِّ قلبٍ من جراحِ زمانِنا
حكايةُ شعبٍ بالكرامةِ يفخرُ
وفي كلِّ دمعٍ سالَ من عينِ أمِّنا
دعاءٌ إلى ربِّ السماواتِ يصعدُ
وفي كلِّ طفلٍ لم يجدْ غيرَ حلمِهِ
بلادٌ من الآمالِ فيها تُصوَّرُ
سنحملُ أحلامَ الصغارِ بأعينٍ
ونحمي بقايا الضوءِ مهما تعثّرُ
سنغرسُ زيتونَ السلامِ بأرضِنا
ونقتلعُ الأشواكَ حيثُ تُعشّشُ
فلا نحنُ أهلُ الحقدِ إن مسّنا الأسى
ولا نحنُ قومٌ بالدماءِ نُفاخرُ
ولكنْ إذا ضُيّعْتَ حقًّا فإنّنا
نقومُ، وفي صدرِ الحقيقةِ نحضرُ
عناقيدُ غضبِنا ستصيرُ سنابلًا
إذا نضجَتْ فينا المحبةُ تُثمرُ
وسوفَ يرى من ظنَّ أنّا انتهينا
بأنَّ انحناءَ الغصنِ ليسَ انكسارُ
فكم غصنِ زيتونٍ تحمّلَ عاصفًا
وعادَ إلى وجهِ الربيعِ يُبشّرُ
وكم حجرٍ ألقتهُ الريحُ عابرًا
فصارَ على دربِ الخلودِ منارُ
سنمضي، فلا القهرُ القديمُ سيستبيحُنا
ولا ليلُ هذا الدهرِ فينا يُعمّرُ
سنمضي، وفي أعناقِنا عهدُ أمّةٍ
بأنَّ كرامةَ شعبِنا لا تُشترى
وإن طالَ دربُ المجدِ نمشي بعزّةٍ
فليسَ طريقُ المجدِ دومًا ميسّرُ
سنحصدُ من صبرِ السنينِ كرامةً
ويخضرُّ بعدَ اليبسِ فينا المَشْجَرُ
ونختمُ سفرَ الغضبِ اليومَ حكمةً
بأنَّ الذي يبني، هو الحرُّ، يُذكرُ
فلا تجعلوا من غضبِ القلبِ فتنةً
ولكنْ اجعلوهُ للكرامةِ معبرُ
فإنَّ عناقيدَ الغضبِ حينَ تنضجُ
تُرى في يدِ الأحرارِ مجدًا وتُثمرُ
بقلمي/عبد الحفيظ أبوتمام

