كلام رقراق لمن يريد الترياق .. بقلم سمير ألحيان إبن الحسين

➖️ كلام رقراق لمن يريد الترياق :

زرني… ودع عنك التسويف والتحجج تكلُّفا :

يا سمير…

ليست شوارعُ قلبك الخالية هي ما يُخيفك؛ فهي، منذ عرفتها، لم تكن يومًا إلا عامرةً بك وحدك. وإنما الذي يُرهق روحك حقًّا هو أن يُعيد الآخرون تعريف وحدتك، فيجعلوا منها عارًا، وهي في حقيقتها لحظةُ صدقٍ مع النفس، أو استراحةُ روحٍ أثقلتها الحياة.

لم تُربِّ قطةً، لا لأنك لا تحبها، بل حتى لا تُتَّهم بالعزلة. ولم تُكثر من مصافحة جارك، حتى لا يظن أحدٌ أنك تبحث عن رفقة. وغبت عن بعض المواعيد، حتى لا يكتشف الناس أنك تُصارع فراغًا طويلًا. بل ارتديت خاتمًا مزيَّفًا، ليُوهمهم أن على جدران قلبك صورًا عائليةً عامرةً بالذكريات، وأن لحياتك صخبًا يشبه صخبهم.

ثم عدت إلى نفسك، تبتسم ابتسامةً باهتة، وتسخر في صمتٍ من هذا التمثيل المُضني، الذي أرهق قلبك أكثر مما أقنع الناس. حاولت طويلًا أن تبدو كما يريدون، وأن تُقنعهم بأنك بخير، بينما الحقيقة أن بين أضلاعك وجعًا لا يراه أحد، وأن كثيرًا مما تُظهره للناس ليس إلا قناعًا فرضته قسوة الأحكام، وخوفُ الإنسان من نظرات المجتمع.

ولعل اللبيب لا يقرأ السطور وحدها، وإنما يقرأ ما بين السطور أيضًا.

فأنا لا أكتب هذه الكلمات طلبًا للتعاطف، ولا استجداءً للمواساة، وإنما أكتبها لأن في القلب غصَّةً، وفي الروح وجعًا، وفي العقل أسئلةً أثقلها طول الصمت.

أكتب وأنا أرثي لحالي، كما أرثي لحال أمةٍ أحببتها حتى أوجعتني. أمةٌ أحاطت نفسها، بوعيٍ أو بغير وعي، بشبكةٍ معقدةٍ من القيود، تشبه خيوط العنكبوت؛ وهي في حقيقتها أوهنُ البيوت، لكنها ما لبثت أن تحولت، بفعل الجهل، إلى سلاسلَ غليظةٍ قُيِّدت بها العقول، واستُعبدت بها النفوس.

لقد فتحت أمتنا على نفسها معاركَ لم يكن لها أن تخوضها، فصارت تُحارب الجهل بالجهل، وتدافع عن التقاليد الموروثة دفاعًا يفوق دفاعها عن المبادئ، وتتمسك بأعرافٍ باليةٍ، وعاداتٍ أنهكت نسيجها الاجتماعي، حتى غدت تلك القيود، في نظر كثيرين، حقائقَ مقدسة، لا يجوز مراجعتها، ولا الاقتراب منها، فضلًا عن إصلاحها أو تجاوزها.

ولذلك، فإنني لا أكتب من برجٍ عاجي، ولا أتحدث بلسان المتفرج، بل أكتب من قلب الميدان؛ أعيش هذا الواقع صباحَ مساء، وأُعايش تفاصيله بكل ما فيها من ألمٍ وأمل. ومن هنا، فإن حديثي ليس حديثَ من سمع، وإنما حديثُ من رأى، وجرَّب، وتألم، وما يزال يؤمن أن لهذه الأمة قدرةً على النهوض متى امتلكت شجاعة مراجعة نفسها

ومن بين الأزمات الطاحنة التي أنهكت مجتمعاتنا، وأضعفت جسور التواصل، وقطعت أوصال الرحم، أزمةٌ تسللت إلى واحدةٍ من أجلِّ الفضائل الإنسانية وأعظم الشعائر الاجتماعية، حتى كادت تُفرغها من معناها، ألا وهي أزمة التزاور والتعاهد بين الأقارب والأصدقاء والأحباب.

لقد نما في جسد هذه الفضيلة سرطانٌ صامت، واستشرى حتى غدا حاجزًا يفصل القلوب قبل البيوت، ويتمثل في هيمنة الجانب المادي والمالي على العلاقات الإنسانية، حتى أصبح كثيرٌ من الناس يتحرج من زيارة قريبٍ، أو عيادة مريضٍ، أو طرق باب صديق، خوفًا من ألا يكون قادرًا على مجاراة ما فرضته الأعراف من تكاليف ومظاهر.

وهكذا تحولت الزيارة، التي أرادها الإسلام بابًا للمودة، وجسرًا للمحبة، ووسيلةً لتوثيق الأرحام، إلى عبءٍ ثقيلٍ يتجنبه الناس، لا زهدًا في الوصال، ولكن خشيةً من أعباءٍ ما أنزل الله بها من سلطان.

وما أشدَّ الأسى حين تتحول عادةٌ صنعها الناس إلى حاجزٍ يحول بينهم وبين عبادةٍ عظيمة، أمر بها الشرع الحنيف، وحثَّ عليها رسولُ الله ﷺ في أحاديث كثيرة، لما فيها من توثيق عرى المحبة، وتقوية أواصر الأخوة، وبناء مجتمعٍ تتماسك أفراده حتى يكونوا، كما وصفهم النبي ﷺ، كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

وما أكثر ما نحتاج اليوم إلى استعادة روح هذه الشعيرة، لا بصورتها المتكلفة التي أثقلناها بها، بل بحقيقتها الصافية التي تجعل الزيارة لقاءَ قلوبٍ قبل أن تكون تبادلَ هدايا، وتجعل الإنسان يقصد أخاه شوقًا إليه، لا رهبةً من تقصيرٍ مادي، ولا خشيةً من نظرة المجتمع

ولكن… وارباه! واأسفاه!

لقد ألقت الضائقاتُ المادية بظلالها الثقيلة على حياة الناس في بلادنا، كما في كثيرٍ من بلاد المسلمين، حتى أثقلت كواهلهم، وأضعفت قدرتهم على أداء كثيرٍ من الواجبات الاجتماعية التي كانت، إلى عهدٍ قريب، جزءًا أصيلًا من حياتهم اليومية.

فتراجعت الزيارات، وقلَّ التلاقي، وخفتت المشاركة في الأفراح والأتراح، بعد أن كانت عنوانًا للمودة، وعلامةً على تماسك المجتمع، وأصبح كثيرٌ من الناس يحبسهم ضيق ذات اليد عن طرق أبواب الأحبة، لا لقلة الوفاء، ولكن لعجزٍ يؤلمهم أكثر مما يؤلم غيرهم.

وكيف يعود الإنسان مريضًا، أو يتفقد غائبًا، أو يشارك قريبًا في فرحه أو ترحه، وهو لا يجد ما يسدُّ به رمق أطفاله، ولا ما يؤمِّن به حاجات أسرته الأساسية؟

لقد صار لسان حال كثيرين يقول:

«العيالُ أولى بالمال»…

وهذا حقٌّ لا يُلام عليه صاحبه، بل يزيده مرارةً أن يسأل نفسه بعد ذلك:

وأيُّ مالٍ بقي أصلًا؟!

وهكذا، شيئًا فشيئًا، تسللت القطيعة إلى البيوت، وقلَّ السؤال، وانقطعت الأقدام عن عتبات الأحباب، لا أيامًا فحسب، بل أسابيع، وشهورًا، وربما أعوامًا كاملة، حتى أصبح اللقاء استثناءً بعد أن كان هو الأصل.

ولا غرابة في ذلك؛ فإن الفقر إذا اشتدَّ ضيَّق على النفوس، وأثقلها بالهموم، حتى قيل: «الفقر أخو الكفر». فكيف إذا اجتمع مع ضغوط الحياة، وقسوة الظروف، والتكلف الذي فرضه الناس على أنفسهم، حتى صار الوصال عبئًا، بعدما جعله الله رحمةً، وجعل منه رسولُ الله ﷺ بابًا من أبواب الألفة والمودة؟

وبعد هذا كله، يبرز السؤال الذي لا مفر منه:

ما السبيل إلى أن تعود روح الإسلام، وتعود معها أخلاق الوصال والواصلين؟

إن الجواب، في نظري، أبسط مما نظن، وأيسر مما نتخيل، لكنه يحتاج إلى شجاعةٍ في مراجعة أعرافنا قبل مراجعة واقعنا.

نحتاج أولًا إلى أن نُوقف التكلف… لحساب التألف.

ونحتاج إلى أن نتزاور بالأيدي الفارغة، والقلوب العامرة.

ونحتاج إلى أن نتفق، نحن وجيراننا وأقاربنا وأصدقاؤنا، على أن تكون الزيارة لقاءً للمودة، لا موسمًا للتكلف، وأن يكون حضور الإنسان أغلى من كل ما يمكن أن يحمله بين يديه.

فوالله، إن حاجة الناس إلى من يطرق أبوابهم، ويجلس إليهم، ويؤنس وحدتهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، أعظم بكثير من حاجتهم إلى الهدايا، أو الموائد، أو المظاهر التي أثقلت العلاقات حتى كادت تقتلها.

وقد حفظ لنا التاريخ موقفًا بليغًا يجسد هذه الحقيقة.

فقد مرض أحد سلفنا الصالح، فلم يَعُدْه أحد، فتعجب من ذلك، وسأل عن السبب.

فقيل له:

إن الناس يستحيون منك؛ لما لهم عليك من ديون.

فما كان منه إلا أن أعلن إسقاط جميع ديونهم، وإبراء ذممهم منها.

وما إن شاع الخبر بين الناس، حتى تدافعوا إلى داره يعودونه، حتى قيل إن عتبة بيته كادت تُكسر من كثرة عواده.

إنها رسالة بليغة، مفادها أن النفوس مفطورة على حب الوصال، ولكنها كثيرًا ما تُقيَّد بقيود الخجل، أو أثقال الديون، أو رهبة التكلف، فإذا أُزيلت تلك الحواجز، عادت القلوب إلى فطرتها، وعادت الخطى إلى دروب المودة، وعاد الإنسان إلى الإنسان

سبحان الله!

لقد جُبلت النفوس على حب الوصال، وفُطرت القلوب على الأنس بمن يُحسن إليها، ويشعر بها، ويشاركها أفراحها وأحزانها. ولو علم الناس قيمة هذا الوصال، لبذلوا في سبيله الأموال تلو الأموال، لأنه غذاءٌ للروح قبل أن يكون متعةً للنفس.

فلا تجعلوا ضيق ذات اليد سببًا في انقطاع المودة، ولا تسمحوا لقلة المال أن تحرمكم دفء اللقاء، وتبادل المحبة، وصدق السؤال.

تواصلوا… وإن لم تتهادوا.

وتزاوروا… وإن لم تحملوا معكم شيئًا.

فإن القلوب لا تُوزَن بما تحمله الأيدي، وإنما بما تحمله الصدور من مودةٍ ورحمةٍ وإخلاص.

ولا تجمعوا على أنفسكم ضيقين: ضيقَ ذات اليد، وضيقَ الصدر بفقدان الأصحاب والأحباب. فالأول قد يخففه الله بفضله، أما الثاني فلا يبرئه إلا دفء الوصال، وصدق اللقاء.

إن النفوس الممتلئة بالهموم، والمثقلة بالأوجاع، لا تجد راحتها إلا حين تُخرج ما يعتمل في أعماقها، وتجد من يصغي إليها بقلبه قبل أذنه.

غير أن الناس، في حديث النفس، يقفون غالبًا بين ابتلاءين مؤلمين:

إما أن يجدوا سامعًا لا يحفظ السر، فيخافون البوح إليه…

وإما أن يجدوا أمينًا، لكنه لا يملك الوقت أو القدرة على الإصغاء، فتظل الكلمات حبيسة الصدور، ويظل الوجع أسير القلوب.

وهنا تبدأ معاناةٌ من نوعٍ آخر… معاناةُ الإنسان الذي يختنق بصمته، لأنه لم يجد قلبًا يتسع لكلماته، ولا أذنًا تُنصت لآهاته.

وهكذا يظل بعض الناس يحملون أثقال أرواحهم في صمت، حتى يهرموا قبل أوانهم، أو تُنهكهم الهموم، وتستبد بهم الأوجاع، ويبلغ منهم التعب مبلغًا يكاد يطير معه العقل، لا لضعفٍ في الأجساد، ولكن لثقلٍ في الصدور.

وخلال الشهور الأخيرة، مرَّ بي عددٌ غير قليل من المتعبين نفسيًا، ممن أنهكتهم الحياة حتى أوشكوا على المرض. ولم يكن كثيرٌ منهم بحاجة إلى دواءٍ بقدر حاجتهم إلى إنسان؛ إلى أذنٍ تُحسن الإصغاء، ويدٍ تربت بحنان، وكتفٍ يُتكأ عليه ساعة الضيق.

وما يؤلم حقًا أن أقرب الناس إلى الإنسان، وأولى الناس بسماع شكواه، قد يكونون أحيانًا أبعدهم عنه انشغالًا؛ أزواجًا كانوا، أو إخوةً، أو أصدقاء، أو رفاق دربٍ طال بينهم العمر، وقصرت بينهم لحظات الإصغاء.

ولذلك يقرر المختصون في علم النفس أن الإصغاء الصادق، والشعور بأن هناك من يسمعك باهتمام، يمثلان عنصرًا بالغ الأهمية في التخفيف من كثير من الضغوط النفسية، وقد يكون حسن الاستماع، في بعض الحالات، بداية الطريق إلى التعافي.

فالكلمة التي تبقى حبيسة الصدر، تُشبه جرحًا تُرك من غير عناية؛ يزداد التهابًا كلما طال كتمانه، حتى يغدو الألم أعمق مما يبدو للعيان.

وليس قليلًا من حالات الحزن والاكتئاب سببه أن الإنسان لم يجد من يُصغي إليه، كما أن كثيرًا من شبابنا يتيهون في دروب الضياع؛ لا لأنهم يفتقدون من يتحدث إليهم، بل لأنهم يفتقدون من يسمعهم، بينما يكثر من حولهم الواعظون، ويقلُّ المنصتون.

ثم جاءت الآلة، على ما فيها من منافع، فأغرقتنا في عالمٍ من الشاشات، ووسَّعت دوائر الاتصال، لكنها، في كثير من الأحيان، ضيَّقت مساحات اللقاء الحقيقي، حتى بات كثيرٌ من الناس يتحدثون أكثر، ويتواصلون أقل، ويعيش المتوجع بما في داخله ألمًا لا تسمعه الرسائل، ولا تمسحه الشاشات، ولا تُطفئه إلا حرارة اللقاء الإنساني الصادق

استمعوا إلى آهات بعضكم، وأصغوا إلى أنين القلوب قبل أن تبحثوا عن الكلمات.

فما أعظم أجر من جبر قلبًا مكسورًا، أو واسى نفسًا مثقلة، أو خفف عن أخيه همًّا كاد يخنقه. وإن من أجلِّ القربات أن تكون سببًا في إدخال الطمأنينة إلى قلب إنسان أنهكه الصمت، وأتعبه الكتمان.

وتفقدوا الصامتين…

فكم من متعففٍ عن طلب من يسمعه، كما يتعفف الجائع عن سؤال الطعام حياءً وعفةً. إنهم لا يُحسنون الشكوى، لكن أعينهم تنطق بما عجزت عنه ألسنتهم، وقلوبهم تستغيث بصمت.

وإذا جلس إليك أحدهم يحدثك، فاترك هاتفك، وأعطه من وقتك كما تعطيه من سمعك، وأقبل عليه بكلك، وأشعره أن حديثه يعنيك، وأن وجعه ليس عبئًا عليك. لا تقاطعه، ولا تستعجل كلماته، ولا تُشعره بالندم لأنه اختارك ليبوح لك بما أثقل صدره.

فالناس، في هذا الزمان، أحوج ما يكونون إلى من يُحسن الإصغاء.

وما أرخص الصدقة حين تكون في صورة جسدٍ يزور، وأذنٍ تُنصت، وقلبٍ يحنو.

ورضي الله عن الفاروق عمر بن الخطاب، إذ قال:

«الكرم شيء هين: وجهٌ طلق، وكلامٌ لين.»

فما أجمل أن نستقبل الناس ببشاشة الوجه، ولين العبارة، وسعة الصدر؛ فذلك من أكرم العطايا، وأبقاها أثرًا.

وصدق من قال:

«فالدار التي لا تعرف الضيف… مقبرةٌ لساكنيها.»

وما أشقى البشرية حين يكون كثيرٌ من دوائها قريبًا منها، ثم تُعرض عنه باختيارها، وتُصر على التعب، وتستسلم للحرمان.

فإذا تحققت من وُدِّ أخٍ، وصفاء مودته، فلا تتردد في زيارته، ولا تخشَ أن تُثقل عليه بكثرة اللقاء.

كن كالشمس، تطلع عليه كل يوم، ولا تكن كالهلال، لا يُرى إلا بعد طول غياب.

فتزاوروا…

وتلاطفوا…

وتقاربوا…

وتوادّوا…

وأحسنوا الإصغاء إلى بعضكم…

يرحمكم الله.

بقلم سمير ألحيان ابن الحسين

أضف تعليق