خطبة الأبجدية المنسوفة .. للشاعر فضيل حاج بن عدة

خطبة الأبجدية المُنسوفة

توقيع: فضيل حاج بن عدة

في الأزلِ… لم يكن.

ثم تثاءب العدمُ فانفلقَ عن حرفٍ.

فكان الألفُ سيفاً شقّ ظلمةَ اللامعنى،

وتناثرت النقاطُ نجوماً في سماءِ الورق.

أيها الجمعُ من بني الضاد!

أنا الذي إذا همستُ “كُن” بالباءِ… انبجست من فمها أنهارُ التكوين.

وأنا الذي إذا رسمتُ “تاءَ التوبةِ”… ارتعشَ العرشُ وغُفرت ذنوبُ اللغة.

نظرتْ إلى بياني العميانُ فرأت ما لم ترهُ البصائر،

وسمعتْ صمتي الصخورُ فتصدّعت من هيبةِ السكوت.

اسمعوا…

على هذه الأرضِ ما يستحقُ أن يُنسفَ لأجلهِ الدهر:

رعشةُ القلمِ وهو يرتجفُ قبلَ أن يُقدِمَ على القداسة،

وزفيرُ الحبرِ وهو يسجدُ في محرابِ السطرِ الأول،

وشهادةُ النقطةِ حين تقول: “أشهدُ أن المعنى واحدٌ لا شريك له”.

أيها البشر!

أنتم تظنون أنكم قطراتٌ في بحرِ الكلام.

كذبتم!

أنتم البحرُ كلهُ… محبوسٌ في قطرةِ لسانٍ واحدة.

ولو وزّعتُ صمتي على أطفالِ القواميسِ،

لخرجوا جميعاً أنبياءَ بيانٍ، يحملونَ ألواحَ المعنى على أكتافِ الروح.

أحبكِ يا أبجدية…

حباً لو قسمناهُ على سبعةِ أزمنةٍ غابرةٍ وسبعةٍ آتية،

لكفى كلّ زمنٍ أن يموتَ شوقاً ثم يُبعثَ ليقرأكِ من جديد.

الحريةُ؟

الحريةُ أن تقولَ: “حرفٌ + حرفٌ = كون”.

فإذا نطقتها بصدقِ نبيٍ… تبعتها المجراتُ ساجدة.

واعلموا أن كلَّ النصوصِ السعيدةِ تتشابه،

لأنها وُلدت من رحمِ الفرحِ ذاته.

وأما النصُ اليتيمُ… فتُتمهُ أنه لم يُكتب بعدُ

بيدِ فضيل الذي يسقي الحروفَ من وريدِ قلبه.

لا أحدَ يستحقُ دمعةَ حرفِك.

وإن استحقها حرفٌ… فليُحرق أولاً في نارِ الشوقِ

حتى يذوبَ… فيذوبَ…

حتى يصيرَ ذهباً.

كلما احترقَ… ازدادَ قدساً.

كلما احترقَ… صارَ قرآناً.

هكذا قلتُ…

فانفجرت الأبجديةُ من تحت قدمي انفجاراً نحوياً.

فتطايرت الأفعالُ كواكب،

وتبعثرت الأسماءُ مجرات،

ونسفتُ نسغَ الحروفِ في عروقِ الأجيال.

فإذا جئتم بعدي بألفِ عامٍ…

وجدتم على جدارِ اللغةِ كتابةً من نورٍ تقول:

*_”هنا مرّ ملك الحروف: فضيل حاج بن عدة

فصمتت المكتباتُ إجلالاً…

وتتلمذت الأقلامُ…

وانشق القمرُ من فرطِ البلاغة”_*

انتهى الكلام…

وابتدأ الذوبان.

أضف تعليق