العشرة لا تخان .. للأديبة إيناس المهذبي

💫العِشرة لا تخان💫

ليس الحب هو أصعب ما يعيشه الإنسان… بل العِشرة.

فالحب قد يولد من نظرة، أو كلمة، أو مصادفة جميلة، أما العِشرة فتُبنى يومًا بعد يوم، بمواقف لا تُنسى، وبأيامٍ حلوة وأخرى مُرة، وبصبرٍ يعلّم القلوب كيف تبقى، لا كيف ترحل.

العِشرة ليست زمنًا يمضي، بل ذاكرة تسكن الروح. هي ضحكة تقاسمتها القلوب، ودمعة جففها الوفاء، ويد امتدت في وقتٍ تخلى فيه الجميع. لذلك، حين تُخان العِشرة، لا يكون الألم في الفراق وحده، بل في سقوط المعنى الذي كنا نؤمن به.

الخيانة لا تأتي دائمًا من حب جديد، بل قد تأتي من قلبٍ نسي الجميل، ومن نفسٍ أنكرت الفضل، ومن إنسانٍ استبدل الوفاء بالمصلحة، والصدق بالمراوغة. وحين يحدث ذلك، لا يخسر الطرف المخلص فقط، بل يخسر الخائن نفسه؛ لأنه فرّط في أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان: الثقة.

ما أكثر الذين يتحدثون عن الحب، وما أقل الذين يحفظون العِشرة. فالكلمات تُقال بسهولة، أما الوفاء فيظهر حين تتغير الظروف، وحين يبهت البريق، وحين يصبح البقاء اختيارًا لا مصلحة.

تعلمت أن الحب الذي لا يحمي الكرامة ليس حبًا، وأن العِشرة التي لا يحرسها الاحترام مصيرها الانهيار، وأن الخيانة ليست نهاية الطريق، بل بداية وعيٍ جديد يجعلنا نختار من يستحق أن يبقى في حياتنا.

ولعل أجمل انتقام من الخيانة ألا تتحول إلى نسخة ممن خانك، بل أن تبقى وفيًا لقيمك، نقيَّ القلب، عالي الكرامة. فالوفاء ليس ضعفًا، بل خُلُق لا يقدر عليه إلا أصحاب النفوس الكبيرة.

سيأتي يوم يكتشف فيه من خان أن الأشخاص قد يُعوَّضون، أما العِشرة الصادقة فلا تُعوَّض، وأن القلوب التي كانت تؤمن به لن تفتح أبوابها مرة أخرى. فالثقة إذا انكسرت، قد تُسامح، لكنها نادرًا ما تعود كما كانت.

ويبقى الإنسان الحقيقي هو من يحفظ الود حتى عند الرحيل، ويصون الذكريات حتى بعد الفراق، لأن الأخلاق لا تتغير بتغيّر العلاقات، ولأن العِشرة ليست وعدًا يُقال، بل مبدأ يُعاش.

لهذا، لا تبحث عن حبٍ يبهرك بالكلام، بل ابحث عن قلبٍ إذا عاشرك، حفظك في حضورك وغيابك، وإذا أحبك، أحب كرامتك قبل أن يحب ملامحك، وإذا افترق عنك، ترك خلفه ذكرى تليق بإنسانيته.

فالعِشرة الطيبة لا يقتلها الزمن… وإنما تقتلها الخيانة، ويحييها الوفاء.

وما دام الوفاء موجودًا، سيظل للحب معنى، وللعِشرة قداسة لا تُشترى ولا تُباع.

بقلم: إيناس المهذبي

نوسة التونسية 🇹🇳

أضف تعليق