الحيلة … للأديب عبد الله إبراهيم جربوع

عندما ينهار الإنسان بعد أن يجلد الذات بالذات

الحيلة مقال مختصر

يظن البعض أن المهمة قد اكتملت حين نجحت الحيلة. حين استطاع أن يستغل العطف، أن يحتل مساحة في خوارزمياتك بقناع مصقول، أن يصل إلى مراده بخطوة ملتوية ثم يقف أمام مرآته ويهمس لنفسه: ها أنا قد وصلت.

لكن الحقيقة أنه لم يصل. هو فقط هرب. هرب من مواجهة نقصه إلى احتلال غيره.

في علم النفس هذا التعويض الزائف. هو ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان بدل أن يبني نفسه يرمم الفراغ الداخلي بحيلة. لا يواجه ضعفه فينكر الذات، ولا يعالج وجعه فيتقمص دورا ليس له. يلبس اليوم ثوب الضحية وغدا ثوب البطل وبعده ثوب المحتاج. وحين ينكشف يلقي باللائمة عليك لأنك صدقته. يسميك ساذجا لكي لا يرى نفسه فاشلا.

وما النتيجة؟ شخصية هشة. واجهة فخمة وعمود داخلي مكسور. من الخارج يبدو متمكنا ومن الداخل خواء. الحيلة ليست ذكاء كما يظن. الحيلة اعتراف صامت يقول: أنا غير كاف كما أنا.

وفي الفلسفة الأمر أعمق. الوجود يسبق الماهية، أي أنك تصبح ما تختار أن تكونه. ومن يختار الحيلة يختار أن يكون مزيفا. والكذب هنا جريمة مزدوجة. يقتل أولا العلاقة مع الآخر فيحوله من أخ إلى هدف، فينهار الاحترام المتبادل ويصبح كل لقاء معركة صغيرة. ويقتل ثانيا العلاقة مع الذات فيدخل الإنسان في تمثيل لا ينتهي. لا يستطيع أن يخلع القناع حتى في الليل وحده.

ولهذا قالوا إن الجحيم هو الآخرون، لكن لمن يعيش بالحيلة يصبح الجحيم هو أنا حين أكون وحدي. الحيلة مرآة، لكنها مرآة مقعرة تكبر الوهم الذاتي وتجعلك ترى نفسك عبقريا بينما أنت في الحقيقة قد خرجت من نطاق الأدب الإنساني.

قد تمرر الحيلة بحرفية عالية. قد يصفق لك الناس. قد تحتل قلوبا وعقولا بلا عتاد. ولكن ماذا بعد؟

يأتي الليل ويسكت الضجيج وتهب عواصف الضمير. ذاك القاضي الداخلي الذي لا يرتشي ولا يسقط بالتقادم. يسألك بهدوء قاتل: هل بنيت أم احتللت؟ هل كنت صادقا أم كنت تاجر عطف؟ هل وصلت أم هربت؟

حينها ينهار كل شيء بلا عتاد، كما بني بلا عتاد. لأن ما أساسه الخداع لا يسنده إلا الخوف، والخوف يتعب.

الإنسان الحقي لا يحتل، يبني. لا يستغل العطف، يستحقه. لا يمثل لكي يحب، يكون لكي يحترم. الشرف لا يسرق بحيلة ولا يشترى بخطوة ملتوية. الشرف يزرع بالصدق ويسقى بالصمود.

فلا تعطيهم نفسك. حتى لو كانت لحظة واحدة. حتى لو كان الثمن مغريا وبلا عتاد. لأنك إن خسرت نفسك، خسرت كل شيء.

عبدالله ابراهيم جربوع

أضف تعليق