همسات …بقلم الشاعر معاد حاج قاسم

همسات .. وفي أيام عجاف ياربّ ..!

أقتربُ من خابيةِ البيت ..أعبّ الماء من كأسها الكبير ..أرتوي..

وكأني هذا الماء لأول مرة أشربه ..

أعرف ذلك ..وأعرف سحر وجود الخابية بطرف غرفتنا الكبيرة .. ذلك الهدوء والجمال من تقاليد أمي ..

في كل صباح تملأ الخابية من ماء ..تأتي به من بعيد ..

ونحن أطفال صغار ..نقترب منها أكثر ..وقد حضّرت لنا الإفطار ..زيت الزيتون والزعتر وخبز تنور ساخن ..وجبن بلدي مغلي بعناية فائقة وحبات الزيتون المكّلس بطعمه الفريد ..وكوب شاي ساخن ..

المدرسة الإبتدائية ..ليست بعيدة ..تودعنا وإخوتي..وشقيقتي ليلى الوحيدة ..تلوّح لنا بكلتي يديها ..ثم تخطو بضع خطوات خارج غرفتنا الطينية الوحيدة..تطبع قبلتها على خدودنا جميعاً ..تمسح على رؤوسنا . ألتفت إليها ..أمي ..أمي ..

ويسيل دمعها كعادتها ..

وتعود إلى غرفتنا توضّبها ..تعيد ترتيبها من جديد ..

تغسل ثيابنا ..تنشرها بالشمس على شريط الغسيل ..تجفّ..بل تتعقم بفعل لمسة هواء ..وشمس فصل الصيف الطويل ..

تقطف لنا عناقيد العنب التي زرعت داليتها .. مع والدي في الزواية الجنوبية الغربية من منزلنا الكبير ..وبالقرب منها شجرة التين التي أصبحت ضخمة فيما بعد ..تطعم الجيران منها ..والأقارب أيضاً ..تعيد ربط الحبل من جديد ..تتأكد من متانته ..إنها أرجوحتنا التي نطرب بها وإخوتي الصغار ..أما ليلى ..فمحظوظ منّا من يدفع بها الأرجوحة ..ويتطاير شعرها الأسود بفعل نسمات الهواء ..وضوء القمر ..

وكبرنا ..وكبرت أحلامنا ..وشربنا الماء المبّرد ..من خابية الفخار ..وليلى التي غادرتنا ..إلى ماوراء النجوم ..

أيام يُتم ليلى لاتنسى ..الأرجوحة فارغة..وطعم التين لم يعد ..كما كان بمذاقه ..ولا عناقيد العنب ..

كل تلك الحلاوة والجمال ..والضحكات ..وضوء القمر..وخبز التنور ..كل ذلك غادر مع ليلى ..

وقد سافرت بعيداً ..إلى ماوراء النجوم ..

كانت دموع أمي تلمع تحت ضوء القمر ..تعطينا درسها الأخير في الصبر..

وفي الحياة ..والوداع والسفر إلى ما بعد المستحيل ..

بقلمي ..

معاد حاج قاسم.

26/1/2024cropped-271393498_306322598178178_1774026774041848354_n-1

أضف تعليق