العيب و كلام الكبار ….بقلم الأديب د.محمد موسى

من مذكرات أستاذ جامعي”

“العيب وكلام الكبار”

           تعودتّ من سنوات كثيرة ، إذا أتى شهر اكتوبر أرجع إلى مذكراتي ، وفيما كتبته وأنا في المرحلة الإبتدائية والمرحلة الإعدادية والمرحلة الثانوية فقط ، دون الرجوع لما كتب وأنا في الجامعة في فرنسا أو القاهرة ، والذي لفت نظري هذه السنة 2023 أن ما سجلته عما حدث لي في المدرسة التي كنت أدرس بها ، أقل بكثير مما حدث لي في المدرسة المنزلية ، ففي البيت كانت هناك مدرسة إسمها “العيب” ، كانت أمي هي مديرة وناظرة والمدرسة الوحيدة في تلك المدرسة ، (كان شعار هذه المدرسة التعليم في الصغر كالنقش على الحجر) ، سمعت فيها من الدرس الأول إلى أن توافاها الله (رحمة الله عليها) ، أن هناك كلمة لها شأن عظيم يجب أن تظل أمام عيناي دائماً ، وهذه الكلمة هي وحدها مدرسة بل وجامعة ، ومن يحصل على أعلى الشهادات العلمية من الجامعات ولا يحصل على شهادة “العيب” من البيت ، فهو لم يحصل على شيء يهذبه أذن هو جاهل ، فالعيب ظلت تتردد في بيتنا حتى أصبحت مكون سلوكي ، لا أستطيع وأخواتي تخطيه مهما كانت الظروف ، فعندما نكون على مائدة الطعام تجلس على رأس المائدة كلمة “العيب” ، عيب كٌل من أمامك ، عيب كُل باليد اليمنى ، عيب تتكلم وإنتَ بتأكل ، عيب تقوم أولاً وعندك ضيف ، وفي البيت عيب تدخل غرفة البنات قبل ما تخبط على الباب ، وأمي كانت كل يوم ثلاثاء تجتمع مع سيدات العمارة ، في بيتنا وعندما كنت أجلس معهن تقول لي قٌم والعب في غرفتك إحنا حنتكلم كلام كبار ، والحقيقة كنت أسئل أمي يعني إيه كلام كبار ، فكانت تقول لي مبتسمة كلام لا يخص الصغار ، وكنت أكتفي بهذه الإجابة ، ولما وصلت للمرحلة الإعدادية إتسعت دائرة العيب ، فعيب أن تصعد السلم وراء بنت أو سيدة بل أسرع أنت قبلهن ، وعيب تكون راكب أتوبيس وإنتَ جالس وسيدة واقفة أو رجل كبير أو شيخ أو قسيس ، وعيب تتكلم مع حد وترفع صوتك ، وعيب تضحك وحد زعلان ، وعيب حد كبير يصعد السلم في البيت ويحمل أشياء كثيرة ولا تساعده في حملها ، وعيب تفوتك صلاة الفجر ، ولما وصلت للمرحلة الثانوية أصبحت مدرسة العيب بناء ضخم ومتعددة الفصول ، عيب تبص من البلكون على حد من الجيران ، عيب تطلع البلكون بالفانلة الداخلية ، عيب تتأخر خارج البيت بعد الساعة 8 مساءً ، عيب تأكل وإنتَ ماشي في الشارع ، وعيب تجلس واضع رجل على رجل وفي الجلسة كبير أو سيدة ، وعيب وعيب وعيب ، وكبرت وحصلت بفضل الله على أعلى الشهادات العلمية وتذكرت مقولة أمي “من يحصل على أعلى الشهادات العلمية من الجامعات ولا يحصل على شهادة “العيب” من البيت ، فهو لم يحصل على شيء يهذبه أذن هو جاهل” ، فشهادة العيب كانت في نفسي هي أهم ما حصلت عليه بل وتفوقت فيها ، وعرفت أن العيب يبني الأخلاق ، وأن رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ قالها “إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق” ، ولما رزقني الله بفضله بأولاد إجتهدت في نقل لهم أهم شهاداتي ، وأعتقد أنني قد نجحت بعض الشيء ، وأعترف أن أمي كانت أكثر قناعة عندي من قناعتي أنا عند أولادي ، ولكن الغريب أن أحفادي لا ينظرون إلى العيب ، نظرتي أنا ونظرة أبائهم للعيب ، والغريب أن الأحفاد تنادي على الأب والأم بأسمائهما ، فلا جيلي فعلها مع الأباء ولا أولادي فعلوا هذا معي أو مع الأم ، فهل سيأتي زمان وتختفي مدرسة العيب من الحياة ، فهنا أعتقد أن ذلك سيكون هو أكبر عيب.  

♠ ♠ ♠ ا.د/ محمد موسىcropped-271393498_306322598178178_1774026774041848354_n-1

أضف تعليق