في المقهى البعيد ..   

=================== في ذلك اليوم من شهر كانون الثاني .كنت وحيداً أمشي في شوارع ڤيينا .. أضواء مبهرة ومحال عرضٍ كبرى وزبائن يتبادلون الٱراء والتحيّات ..وأذواق عجيبة في انتقاء ألوان ألبسة وجودة صناعتها ومصدرها وأشياء أخرى وضحكات تتعالى ومجاملات .. منذ سنوات أقمت فيها … فقد كانت وما زالت مُلهمة الشعراء والرسّامين .. بين غاباتها وأطراف بحيراتها رسمت لوحتي الأخيرة ..جلست على ضفاف شواطئ تلك البحيرات الكبيرة منها والصغيرة .. جلست في شُرفة منزلي أرقب أضواءً بعيدة .. وقمر تخفيه غيوم وتُبدي حسنه غيوم قادمة .. ونجوم حائرة بطلعتها .. واستمتعت بأجمل الأغنيات .. وسيمفونية تشايكوفسكي (بحيرة البجع ) ..وموزارت وبتهوفن …حينها جلست على كرسيّ كبير وطاولة من السنديان قديمة … طلبت من النادل فنجان قهوتي الثاني .. رشفته بشراهة عاشق لرائحة البن البرازيلي الفاخر ..وطعم الهال .. ملأت الغليون بالتبغ المُنكّه بطعم الزعفران الهندي .. وعود ثقاب تخنقه الريح .. أشعلت تبغه ورائحة تسلب القلب ..

كذلك المطر .. يكتب أغنيته على أطراف الشاطئ . . يعزف لحناً اسطورياً يردّده عشاق البحيرات 

وقوارب لا شراع لها .. وسفينة .

يقترب النادل منّي يهمس بخجلٍ في أذني ..سيدي . ..

لتدخل المقهى ٠٠ فالطقس متقلّب والمطر تزداد رعونته ..ورياح عاتية ..

 حمل فنجان قهوتي وكوب الماء ..وجريدتي المبتلة برذاذ المطر ..مشيت وراءه بصمت خائفٍ..

و بجانب النافذة جلست .. . المطر يصفع زجاجها . .. يرسَم ألوان حبّ وحكايات ألف ليلةٍ وليلة ..

وأنا تائه بين ماضٍ و إيلام جراح وحاضر حزين وذكريات .. كم أنا حزين وخائف .. كأغصان الصنوبر تلتف حول بعضها . كأرواح تتّقي أنياب الغربة … قبل الممات ..

فنجان ٱخر يا نادل ..مناظر الطبيعة أعشقها ..وكوب قهوتي وبخار يتصاعد منه وطعم أسطوري يُنسي القلب أوجاع أهلٍ وأحبة وراء جبال الصبر ..

وأنا وراء نافذة المقهى .. أراقب كل شيء خارجها … أتذكّر زجاج نافذة سيارتي مفتوحاً …أنهض بسرعة من على الكرسي ..اضع حساب فاتورتي على الطاولة ألوّحُ بيدي للنادل الطيب .. 

كرسيّ السائق مبلل بالماء ..

أضع قطعة قماش وتحتها 

أوراق قديمة .. 

 

أدخل بوابة منزلي الجميل ..أتمدّد بجانب موقد النار ..أضبط المنبّه .. أستغرق في نوم عميق ..

ففي الغد سأذهب إلى مدينة قريبة لاستلام عملي الجديد ..

بقلمي .

معاد حاج قاسم./سورية 9/5/2023

أضف تعليق