القصة القصيرة
العنوان:(( الحضرة …))
لطفي الستي/ تونس
تقاطر القريون من كل حدب و تجمعوا قبيل مغيب الشمس حول ضريح الولي الصالح …إنه موعد الحضرة …ارتفعت أصوات الطبول و المزامير و دقت الدفوف و لوح بالرايات المختلفة الألوان …
أنغام جنائزية رتيبة بدأت تسري في الأجساد تكهربها …تمغنطها فتتمايل القامات و تتلوى في حركات تتسارع شيئا فشيئا …
وقفت بهية بعيدا …اقتربت …دنت من الحشود ثم سرعان ما استسلمت للأنغام و اندفعت وسط الساحة في حركة جنونية غذتها دقات الطبول و الدفوف وقد انتفش شعرها الطويل وغطى وجهها و كأنها أصيبت بلعنة الشياطين…
تتابعت دقات الطبول و تسللت في جسد الفتاة و روحها فأضحت رهينة كل دقة و كل نغم …
تواترت حركاتها …تسارعت…اشتدت …اختلطت أمامها الألوان و الأضواء …بهتت …تضاءلت …اختفت …امتزجت الأشكال وأحست بالأرض تدور …تدور …تتسارع …تزيد في هيجانها …في جنونها ثم تنفلت فجأة في دورانها و دوائرها لتحلق في الفضاء تخترق المكان و الزمان و المناسبة فتكتنفها أصوات غريبة وأشكال أغرب لم تقدر على تحديد حدودها و ملامحها …دقات الطبول تصلها شديدة …عنيفة …تقرع أذنيها…تلهب جسدها تدفع بها للفضاء الرحب …تخلصها من جاذبية الأرض و البشر للحظات …لدقائق …لساعات …لأيام …لشهر …لدهر…ما عاد يهم الوقت …إلى أن تتوقف الأرض فجأة فتنجذب الفتاة للأرض وتنهار تحت قوة الجاذبية فتهوي ببطء …ببطء شديد تهتز على الأرض هزات قوية تضعف شيئا فشيئا إلى أن لثمت التربة وتوقفت عن الحركة …
نظرت حولها فلمحت أجسادا ما تزال تتلوى وطبولا ما زالت تقرع و دفوفا ما تزال تدق لم تقدر أن تتخلص من هول اللحظة و أن تعيش ما عاشته و لا أن ترى ما رأته …
اختطفت الجموع الحاضرة الفتاة و جرتها جرا لبيتها …محاولة عدم ايقاظها من سكرتها …
قيل ابنة الحاج حسين راقصة…جنت …تملكتها الشياطين….
مسح الحاج حسين على رأسها و قرأ فاتحة الكتاب …
بقلمي: لطفي الستي/ تونس
29/03/2023
