قصة .(جُرة عسل)
وجدتُه وقد تأهَب للخروج ، فرمقتُه بعينيها
تخشى الإجابة عن سؤالها: إلى أين؟
قال سأبنى قصراً ، فقالت له فى لهفة بل يكفينى منك حُضناً
فتركها ساخراً ، ولم يُلقى لكلمتها بالاً ، وغاب عن عينيها
فى لمح البصر ، وكأنه لم يُكن هُنا يوماً ، فتلمسَتْ بذوراً
قد خبًّأتها من برد الشتاء وعَبثَ الأيام ، ودأبتْ على غرسها
فى الأرض الطيبة ، بين خَريرالماء ونقاء اللبن المُصفّى
وأخذت تتغزل جمالها وترويها اهتماماً ورعاية
وبينما تقوم بذلك
فهي تنتظره يوماً يعود لها وتفاجئه بجمال بذورها
كانتْ تمشى بين الزهور تلتقطُ حبات العسل وتملأ جُرَّتها
نعم فهو يعشق العسل ، يوماً سيعود وسيرتشف منه سعيداً
وهاهي البذور تكبر ولِما لا وقد عَكفتْ على رِعايتها وسُقياها
فقد كانت تستيقظ باكراً تأكل لُقيمات صغيرة ، فقط كان يكفيها أمَلها
فى أن تعيش يوماً مع بذورها عندما تصير نباتاً تستظلُ به ، وتَسعد معه
وتسعد بنسماتهِ فتستنشقُ عبيره روحها، وتغزلُ له حُلة خضراء سُندسية
فَرِحة بالبذور عندما كانت ترعاها وتداوم على سُقياها
وذات يوم استيقظت من نومها ، وتستعد للخروج لبذورها ولكن ما هذا ؟!!
إنها عاجزة عن الوقوف على قدميها ، لقد أكلها الألم أكلاً
فكم كانت تشكو من آلامها ولكنها كانت تتحامل وتتناسى وهاهي
وكأن قدميها قد ذابت ذوباناً ، لم يعد هُناك سوى أصابع تتحرك
حركات عشوائية غير مفهومة الخُطى ، ولكن ،،، لا يمكن أن تستسلم لآلامها
فاتكأت على عَصا قد ادَّخرتها للأيام البعيدة
إنها عصا جَدتها ،، فنظرت لها ضَاحكة مُتألمة ، لقد حان وقتكْ
قَبل الأوان ، لم أكنْ أتوقع أن يكون أوانكْ الآن ، وشكرتها لأنها:
الوحيدة التى ساهمت فى وقوفها مرة أخرى ، فاتكأتْ عليها وهي
فى طريقها لبذورها ، وتُتَمتم تسبيحاً وذِكراً وشكراً لله ، وتقول لنفسها
يبدو أن الرحلة أوشكت على الانتهاء ، وقد يتوقف القطار فى محطةٍ قَريبة
ثم لمعت أمام عينيها حبات العسل المتساقطة من الزهور ، فبرق وميض الأمل
مرة ثانية وأخذت تُجمعه فى همة ونشاط كادت تنُسيها أنها تتكئ على عصا جَدتها
واستأنفتْ مُهمتها فى سُقيا بذورها ، لا بل زروعها فقد كَبُرت البذور
ما أجملها من زروعٍ يانعة خضراء ، لقد عانتْ كثيراً فى الاهتمام بها
وبينما هي تَتأملها ، عَبرتْ بجوارها أنفاسٌ قريبة ولكنها تبدو وكأنها غريبة
فهي ملوثة بغبارٍ خبيث ، ووجهٍ عَبوس يتجمل بقناع البراءة والدِعَة
ما هذا؟! إنها تستشعر وكأنها تراها لأول مرة كيف؟! فهى تعرفها جيداً
يا الله !! يبدو أنها لم تعرفها حق المعرفة فما أكثر الأقنعة ، فقد ذابَ القناع
إنها تنظرلزروعها نظرة المُتألم المستكثِر لنعمة الله عليها
فاستشعرت هى وَخْزاً وكأنَّ سَهماً قد نفذ إلى قلبها فنزف مشاعر مُتبعثرة
ولكنها استنكرته فى بادئ االأمر ، نعم هذه الأنفاس قريبة مِنِّي
لا لا يمكن أن تحملُ لِى ضغينة ، إنها سعيدة لزرعَتي وجمال أغصانها
وبينما تُحاور نَفسها ، سمعتْ الغصونَ تتألم يا الله ماذا أرى !! لقد شَحبَ
لونُها ، لقد ذبلت أوراقُها ، ما هذا هل ذهب عُمري هباء فى رعايتها
لا لن أسمح بذلك ، وبينما هي كذلك ، هبَّت ريحٌ عاتية اطاحت بالأنفاس
الخبيثة التى كانت ترتدي ثوبَ الحمل الطيب ، فنظرت حولها مذعورة
ثم عادت من صدمتها تتلفت يميناً ويساراً وكأن الرياح استشعرت خوفها
ولكن الأغصان بدأت تميل وكادت تُكسر ، إنها تشعر بالإرهاق الشديد
ومالتْ الأغصان على كَتفِيها فماذا تفعل ؟
هل تتركها تسقط ؟!
لا لن تسقط لن يضيع هباءً ما راعتها بعُمرها فأخذت العصا ورَبَطتْ
بها أغصان زُروعها وأخذتْ تَتلمسها بحبٍ وتقرأ بعضَ الأذكار
لَعلها تستعيدُ استقامتها ، و عَزمتْ على العودة ولكنَّ العصا لم تَكُنْ معها
لتؤازرها فى عودتها ، فقد أهدتها لزروعها لَعلها تُعينها
فماذا تفعل الآن ؟ !! وكيف تعود للمنزل ؟
فقد كانت العصا سندها تتكئ عليها ، ثم فكرت قليلاً وهَمّتْ
ثم عقدت من طرحتها حبلاً ثم ذكرت اسم الله ومدت حَبلها أمامها لتتمسك به
حتى تصل لبيتها وتَعلقت به تَخطو خطواتٍ مُتأنية وكأنها تتعلم المشي، بينما
شَعرها قد انكَشف للمارة ، لقد غَطَّاه قليلٌ من الشيب وعلامات السنين
ولكنَّها لم تَسلم من نظراتٍ ثاَقبة ، فقد كان نَاعماً مُنسدلاً يتمايل مع النسيم
فاقشَعر جَسدها ولجأت إلى قشاتٍ مُلقاه على الأرض وأخذتْ منها غطاءً لشعرها
فضَحِك من ضَحك واستنكر من استنكر وتعجب من تعجب ولكنها لم تأبه لهم
ويبنما تحايل الخطوات فإذا بها تجد من يستوقفها بقوة إنه ……..
إنه عفريت القش!
كانت تسمع عنه فى حواديت جدتها نعم إنه هو
هيا هيا قل لي قولتك المشهورة ( شبيك لبيك )
سأطلب منه أن يملأ لي جُرة العسل
ويقوِّ م نباتاتي لتستعيد نضارتها وجمالها وووووووو
فاستوقفها بقوله لن أقول لك شبيك لبيك !!! ولكن سأطلب منكِ طلباً
ماذا؟!! أجئتني لأحقق أنا لك رغباتك حقاً إنه عفريت من القش ، فقاطعها ثانية قائلاً:
سأجعلك تمشين بل تهرولين كما كنت وأفضل ولكن …… فتنفست الصعداء وقالت فى لهفة:
ولكن ماذا؟ عليك قص شعرك كله!! ماذا ؟!! كيف لي ذلك إن شعرى يحمل فى حناياه لمسات
حانية كنت أسرقها من الزمن عندما كان يضع يديه عليه لبضع ثوان ، نعم لم يقل لى قط
أنه يحبه أو تغزل فى جماله يوماً ما ، ولكني كنت أستشعر ذلك وكنت أأنس بتلك اللمسات
ثم إن رسالتي الأخيرة كان فيها أشيائي الأخرى ، لا لن أخذله سأبقى حافظة أمانته
ثم نظرت لقطرات العسل ، نعم مازالت تجمعها وهي تتخيل فرحته
عندما يعود لها فيجدها وقد ملأت جُرتها بالعسل
بينما هو كان يسهر ليلاً نهاراً ليبني قصره ، وعندما انتهى منه
أسكنه بطيف جميل طرق بابه ففتحه له على مصرعيه
وزينه له بالزهور ونثر فيه أجمل العطور، ولكنه لم ينسى حُبه قط ، لا لا تذهبي بفكرك بعيداً
أعني حبه للعسل فأمر بصنع جرة كبيرة لتستوعب اطنان العسل وقد أمر الحراس
فامتلات الجرة بالعسل فى دقائق معدودة ، بإشارة من يده
وعاش بين الزهور والعطور مستمتعاً بمذاق العسل ، فى هذا القصر
ومرت الأيام ولكن حدث ما لم يكن يتوقعه أو يضعه فى الحسبان
الخبرقد وصل لمملكة النمل ، فجهزت الجيوش والعُدة للهجوم
على جُرة العسل ، فاجتمع النمل من كل البلدان إنها جُرة تُذهب العقل
إنها تحمل طناً بل أطناناً من العسل ، وقد تم تداول الخبر فى جريدة النمل العالمية
بينما هى مازالت تحبو فى طريقها تحبو خطوة وتمشى خطوة وتتعثرخطوات
تجمع قطرات العسل لتملأ جُرتها ، وذات يوم استيقظ على هجوم مملكة النمل
يا الله لقد أكل النمل البنيان وذهب القصر حيثما كان بلا جدران بلا عمدان
وبعد مرور السنوات وهو واجمٌ يتندم على قصره ، يبيت على حطامه يتحسر يتألم
ولكن ماهذا لقد لاحت فى السماء نجمة ، إنها تنظر له ما بين إشفاق ولوم ونداء
فنظر إليها نظرة متأففة قائلاً : أنت ِ ، نعم إنها النجمة التى اعتادت محبوبته
أن تشكو لها آلامها عندما يصم هو أذنيه عنها ، وكثيراً ما أرسلت له رسائل عبرها
ولكنه لم يفتحها ولو لمرة واحدة ، ولكنها لم تكن تيأس وتداوم على إرسال رسائلها
وبعد أن اكل منه الشيب قدراً لا بأس به، قرر أن يفتح آخر رسائلها
فإذا بها قد كتبت : سأنتظرك وسأملأ جُرتي بالعسل وأشياء أخرى وبعد تفكير طويل
، جرجر قدميه عائداً لها ، وهو فى طريقه يسترجع الأحداث والذكريات ثم قال لماذا؟!!
ولكنه لم يُكمل ، تُرى كان يعني لماذا تركها ؟أم لماذا هى مازالت متمسكة به ؟أم لماذا يعود
لها الآن ؟ أم ………
لا ندري ماذا يعني بكلمة لماذا ؟ فهو وحده يعرف باقي السؤال
وعندما وصل لها ، فوجد جُرتها الصغيرة
وقد امتلأت بالعسل فى انتظاره ، ولكن أين هي ؟! إنها على أريكة هزيلة
تُسبح تحمد وتشكر ربها ، فنظر لها فقابلت نظرته بنظرة أخرى
يا إلهي ما هذه النظرة ؟! إنها نظرة زائغة فى طيها دموع حائرة
وبين ثناياها ابتسامة صاخبة متأنية متألمة
ثم قالت له في هدوء وسكينة : من أنت ؟!!
لقد فقدت الذاكرة أو لنَقُل ذاكرة حبها له
وقد امتلأت جُرة العسل
وحولها طيف من الألوان المتناثرة ما بين
وفاء وود وإخلاص وأمل
إنها هي الأشياء الأخرى
التى ذكرتها له فى رسالتها مع نجمتها
الأشياء الأخرى
مُنحت لمن لم يَمنح شيء
فتبقى له فى ذاكرتها لا شيء
#ساعات_بنوحشنا
بقلمي.: د/ نجوى رسلان
مصر
