كانت
*****
كانت كل صباح
تأتيني محفوفة بالضوء
معتمرة شكل البوح
ترتدي ريش العصافير
تطعم الطيور من جمال يديها
تقسم الأبيض..ثم الأسود
وهي تتشدق برهبانية النساء
والجسد المشوب بالبياض والحمرة
ملفوفا بالعشق الاغريقي
يرفل ثيابه
في دفء الزيتون والرمان
المشرب للشفاة بخمور كأس
يذوب في أسراره الحزن الهارب
مشمولا بأصداف القلب
يختال فخورا كالبرق ،،
ثم يوزع هذا الجمال
على عتبات القلوب
ويملأ وجهي السرور في لفتة
وأنا منذ الغياب أكرع حزن النفس
وألتف حول الظمأ
أشرب وجعي برجفة ولهفة
وحزني المشنوق على ضفاف الماء
يشرب صوت حزني المتناسل
شجيرات من الخريف
ويحتسي قهوة الحداد على الذات
وهو يلملم ذاكرة العمر التى وهنت
يصارع تصاعد بؤرة نهايات الجروح
ويعود يرتدي معطفه الأسود
وأنا في سر الليل أعود لأذوب
مشوبا بقائمة الجمر،،
مغمورا تحت الرماد
أقتات الحزن الغامض
وأشرب من حلمات النار
ما آتى بحر الأذى به
وهو يشجب خرير الماء
ويلعن لغتي التي لم يفقهها الصمت.
واللغة المائعة من التأويل
وما جيء من قعر الآه والتنكيل
كانت كل صباح
في عينيها الخضراء
سنابل القمح ومشاتل الحناء
والنوارس تغرد في ترف
حول عبير الزهور
والماء يعيد ترتيب دقات قلبه
ينقي وعاء ذاكرته ويمنحه الهدوء
كي يمنح مواكب النور
أن تفيض بعبق البنفسج
وتملأ ثقوب الروح خجلا
يهجس بصوت يهمس للحياة
أن تخلع ثوب البرد
كانت كل صباح
تفر من عتمات الفجر
وتزهق أرواح اليأس
تشاكس فاجعة التمرد والحزن
وتعيد الصوت بمصابيح القلوب
فتغني وتلتئم فتحات الجروح
ويخرج العطر الفسفوري
يملأ غلظة الدماء بالبهجة القصوى
ويفيق الجسد من غفوته
يغمرني بدخان أبيض مسحور
ينجرف نحو عطشي
ينشط صوفية جسدي
ويذكرني بأن السحر بجسدي
مازال تحت القيود
الشاعر محمد محمود
