♠ ♠ عاشت حياة كلها سعادة معه أو قل خالية من الأحزان ، حتى عندما فقدت الأم ثم الأب لم تشعر بالغربة لوجوده معها ، ولوجود أبناءها الذين كانوا السند والمعين مما سهل عليها الأحوال والأحزان ، وكانت رغم تجاوزهما السبعين من العمر ، دائماً ما كانت تترك غرفتها إلي غرفته وتأوي إلى فراشه وتنام بجانبه وتقول له إشتقت لك وكقطة تشعر بالأمان في حضن من تألفه كانت تفعل ، وظلت الأيام تدور بينهما هكذا ، ودائماً يأتي الأولاد والأحفاد في نهاية كل أسبوع ليمتلىء البيت بالضجيج المحبب للنفس ، ويعامل زوجته أمام الأبناء بكل إحترام حتى يتعلم الأبناء منه كيف تُعامل الزوجات ، وفي بعض الأوقات تقول له تعالى نذهب إلى النادي فيعتذر لحبه في البقاء في البيت وبين كتبه يجد السلوى ، وكان هذا يضايقها أن تذهب إلى النادي بمفردها ، وتأتي وتقص عليه قصصها مع بعض من عرفتهم في النادي فيقول لها لو كنت معكِ ما تمتعتي مع صديقاتك ، وكثير ما كانت هي تلبي له كل طلباته حتى أنها كانت تقول له ماذا سيكون حالك لو لم أكن موجودة ، وهو يبتسم ويقول لها ربنا لا يحرمني منك ، ولا أبقى في الدنيا بعدك ، وإذا وضعت له الطعام أو أتت له بدواء كان قوله دائماً لها شكراً يا هانم ، وكان شديد المجاملة لها حتى وهما على مائدة الطعام ، فيقول لها لقد تناولت الطعام في أفخر مطاعم في العالم ولم أجد جمال طعم الطعام الذي بيدك تصنعيه ، وكانت تصدقه فقد يظن البعض أنه يستطيع أن يلعب بعقل الأنثى وهذا مناف للواقع فالنساء قد يتظاهرن لك أنهن يصدقن الكاذب إذا كذب عليهن ، ولا يعلم أنهن أكثر ذكاء منه ، وبطل القصة قد عرف النساء من أغلب الأجناس والديانات و جدهن قد يختلفن في الجنسية أو الدين أو اللون أو اللغه ولكنهن يشتركن في أمر واحد هو الذكاء وحساسية المشاعر والإدراك ويعشقن الصدق والرجل الصادق ، فكان مع زوجته هكذا دائماً إحتراماً لعقلها ولنفسه ، وفي يوم من الأيام وبدون سابق إنذار منه رحل عنها ، وأصبح البيت حولها فارغاً من الحياة ، لم تكن تجد لها متعة إلا بالوقوف طويلاً أما صورته الكبيرة والجليلة في بهو البيت ، تتأمل الأيام الجميلة التي عاشتها مع ذلك الإنسان الراقي والذي لم يتجاوز حدوده معها وإذا زاد الأمر منه ، كانت الزيادة في الإحترام والتقدير لشريكة الحياة ، وخفت أرجل الزائرين بالتدريج من البيت ، فقد كان الكل يقدر قيمة وقامت هذا الرجل ولما رحل رحلوا معه ، والغريب أنها فقدت الرغبة في الذهاب إلي النادي التي كانت تلومه لعدم مصاحبته لها ، وأصبحت تقول لنفسها وكأن الدنيا كانت في صورة هذا الرجل ، فلما ذهب ذهبت الدنيا معه وأصبحت تشعر بالغربه بدونه ، وتقول ما هذا الرجل الذي كان لي حياة ، كل شىء حولها تغير برحيله وأصبحت تترحم على أيامه ، والغريب أنها تركت غرفتها وكانت تنام في غرفته وفي سريره وتقول لمن يسألها ، أنا أأنس بالنوم في فراشه وأستشعره معي ، أصبحت الأيام بطعم غير الطعم الذي كانت عليه وهو معها في الحياه ، والأغرب أنها زهدت الخروج من منزلها ورفضت أن تذهب لبيت أحد الأبناء رغم الإلحاح عليها ، وضُرب بها المثل في الإخلاص لرجل عاش معها وأتقى الله فيها وكان الزوج والأب والصديق ، جاءتها مرة جاره لها وأخبرتها أن إبنتها في خلاف مع زوجها وتطلب من أبيها أن يطلقها من زوجها ، نظرت إليها وسألت فقط سؤال واحد كم عمر زواجها من ذلك الرجل الذي تريد الإنفصال عنه قالت عامان ، قالت فقط عامان وتطلب الطلاق وأنا بعد زواج أكثر من أربعين عاماً ، أشعر بالغربه بعد أن رحل زوجي ماذا أسمي هذا الزمان ، أو ماذا أسمي سكان هذا الزمان ، وظلت تهز رأسها ولا جواب لديها إلا سبحان مخير الأحوال ولا يتغير بأي حال.