ترجلت من سيارتي بالقرب من البحر ، واجتزت المسافة الرملية الفاصلة بين الطريق الإسفلتي والبحر .
نسيمات بحرية مشبعة برذاذ ماء البحر تلفح وجهي وتطبع قبلات شوق عاشقين ، وتتغلغل في ثيابي برقة وحنان ، لتحتوي جسدي بلهفة الشوق ، وعتاب لفراق إمتد لبضع أيام خلت ، لم نلتق خلالها .
تنفست بعمق وحب وشوق لصديق وحبيب وملاذ لروحي فاتحا ذراعي لأضم طيفا طالما صاحبني ، وردد معي أرق الأغاني الروحية ، على ألحان أنين موجات البحر ، التي تتمايل غنجا ودلا وفتنة برقة أنثى هزها الشوق وشدها الوجد .
لتعانق الشاطىء فتتغلغل في مسامته بلهفة لتعود أدراجها ثانية للبحر محملة بعبق اللقاء وفرحته مستمدة منه جذوة شوق لكل حبة رمل .
وبضع نوارس تحلق صافات لا يمسكهن إلا الرحمن وتلاحم بين نظراتها والماء لتنقض بسرعة فائقة غائصة بالأعماق فتخطف سمكة من بين براثن عباب الماء لتحلق من جديد وهي تتلذذ بوجبة صيدها .
غبت عن الوجود ، بخشوع تلك الصلوات الروحية ، والعناق بين الروح ، والطبيعة التي سخرها الله للإنسان ، بغية إسعاده .
حلقت مع النوارس ، غبت عن الوجود ، تحمم القلب برذاذ البحر، وشذى الشاطىء ، فجأة اغتال تلك الصلاة صوت رخيم لرجل وهو يغني بصوت جهوري :
مسجون بالغربة مالي مسعفا ونواح
جارت عليَّ الليالي بالبكا والنواح
وش حال هلي هل العاشقين نواح
ياطارش خبر للشهبا خبرودي لي
عزيتني بخاطرك دخل النبي ودَّ لي
آني لأبكي على فقدهم وأزيد البكا بالنواح
جذبني الصوت بل أسرني الموال فهو من تراث وطني وفيه ذكر لمدينتي .
تلفت صوب مصدر الصوت فإذ رجل يجلس على صخرة قرب البحر قريبا مني لم ألحظه حين وصلت ، كان يدخن لفافة تبغ بنهم وشراهة ، حيث تكونت سحابة كثيفة من الدخان ، يمسك لفافته بيد ويحفر الأرض بيده الأخرى ، سعلت بصوت عال علني أجعله يلتفت نحوي ، ففشلت رغم تكرار المحاولة ، بل استمر بالغن وكأنه ، ملك للبحر ، والشاطئ ، وليس به سواه ، اتجهت إليه بتمهل وأنا استمع لغنائه الذي تسرب إلى روحي ، اقتربت منه ودققت النظر بوجهه ، الذي غطته سحب من الحزن ، وبقايا دمعات ، زُرفت من عينين صغيرتين ، ما زالت عالقة بأخاديد وجهه الستيني ، شعر أبيض كث ، ولحية مشرقة كثيفة ، يتخللها خيوط سوداء متناثرة ، رث الثياب ، رغم اليد التي عملت جاهدة لإظهارها أنيقة جميلة ففشلت لقدمها .
فغرت فاهي وأنا أنظر إليه غير مصدقا ما أراه ، هل حقا هذا الأستاذ نديم مدير المصرف الذي كنت أعمل به قبل مغادرتي سورية منذ عشر سنوات مضت ؟؟ لا .. لا لا يمكن أن يكون هو . لم أتمالك نفسي فصرخت أستاذ نديم .. أستاذ نديم
هبَّ واقفا كأن أفعى لدغته ، نظر إلي من خلال بقايا دموعه التي حاول أن يمسحها بطرف راحته ، ودقق النظر وهو يدير رأسه يمنة ويسرة وللأعلى والأسفل .
رد بصوت متقطع : من أنت ؟؟ وهل تعرفني أنت ؟؟
ــ أستاذ نديم ألا تذكرني ؟؟ أنا أيمن الحسن تلميذك وزميلك بالمصرف ، ألم تعرفني !!؟؟
فغر فمه مشدوها ، غير مستوعبا لما سمع ، دقق النظر وأمعن بوجهي ، ثم فتح ذراعيه حتى برز صدره ، وصرخ وأخيرا وجدتك أيها الضال ،زوربااااااااااااا هاااا هو نديم الكأس ، قد شق عباب البحار، وانبثق من قلب الجلمود ، يا أعز صديق وانخرط بموجة بكاء هستيريا وضمني بقوة لصدره ، واستمر بالبكاء ، حتى سالت دموعه على عنقي ، انهرت وأجهشت بالبكاء معه ،كان يبعدني عن صدره ، ثم يجذبني بقوة شوق عات ، وغبنا نحن الإثنين عن كل ما حولنا ، ومات الزمن ، حتى أنهكنا ، فجلسنا ممسكين بأيدي بعضنا خوفا من غدرات الزمن فيفرقنا عن بعض من جديد .
جلس وهو ينظر إلي بشوق وحب أعهده منه منذ تعارفنا ، فهو صادق بحبه وبكرهه ، صريح في الإثنين .
ـــ أستاذ نديم متى جئت إلى ليبيا ؟
ــ وما زلت تناديني أستاذ ؟؟ نحن أصدقاء وإخوة ، بلا أستاذ رجاء .
آآآآآآآآآآآآآآآآه يا عزيزي أيمن مضى على وجودي بليبيا اربع سنوات قضيت سنة ببني غازي وسنتين بمصراته ولي هنا بطرابلس سنة ، وقد علمت أنك تقيم هنا بطرابلس وكنت ابحث عنك ، وقد علمت أنك تكمل دراستك العليا فذهبت للاكاديمية وسألت عنك منذ أسبوعين ولم استطع أن أحصل على عنوانك أوحتى رقم هاتفك ، الله ! الله ! صدق الذي قال ( رب صدفة خير من ألف ميعاد ).
خبرني عنك يا أيمن . تزوجت أم مازلت عازفا عن الزواج ؟؟ ولماذا تركت سوريا وأنت قد بدأت ترسم مستقبلا باهرا ؟؟
ـــ سوف أحدثك بكل شيء ،ولكن عليك أن تخبرني أنت أولا . فأنا أراك باكيا ، ومظهرك ليس كما أعرفك أنيقا لدرجة الهوس بمظهرك الخارجي ، فعليك أن تحدثني عنك أولا .
تنهد وكأنه اعتصر السماء فانهمرت وابلا من دموعه ، أشعل لفافة وامتصها بعمق وقوة ، ثم أرسل سحابة من دخان ، تعلق نظرها بها وكأنه يستنطقها .
ــ أيمن أنت تعرف سميرة أليس كذلك ؟
ــ بلا أعرفها وبضحكة خفيفة مني . تلك التي تعلقت بها وأحببتها حد الجنون ، ولم أتمالك نفسي بضحكة عالية مجلجلة . متسائلا : ما الذي حصل بينكما ، فقد تركت وأنت تنوي الزواج بها ، وكنت من المعارضين لك على الزواج منها ، كما كنت معارضا بزواجك ثانية .
ــ آآآآآه يا ليتك كنت متواجدا وياليتك ضربتني بحذائك وحجرت علي بالجنون قبل أن أتزوجها .
ــ ماذا ؟ تزوجتها يا رجل ؟ يا الله ! نصيب ربي يسعد قلبك وقلبها ودمتم لبعض .
ــ يا ليت خصيت أو مت قبل ذلك ، ولكن ما قدر الله كان وما شاء فعل.
اسمع يا أيمن .
ومد يده إلى جيبه وأخرج هاتفه المحمول ثم اتصل برقم وانتظر قليلا حتى سمع صوتا فرد مستبشرا ضاحكا :
ـ سميرة هل تعرفين من وجدت وهو معي الآن ؟
ـ من وجدت ؟ وجدت سليمان الحكيم وأعطاك خاتمه – وبضحكة استهزاء – ! لتكون بمثل هذه السعادة التي تطفح من كلماتك وضحكاتك ؟
ـ أيمن الحسن ، ألا تذكرينه ؟
ـ وكيف لا اذكره وأنت منذ جئنا ليبيا ، وأنت تبحث عنه ، وذكره لا ينقطع عن لسانك أبدا .
ـ حسنا اسمعي سوف أتأخر بالعودة ، وسوف أحضره معي ، سلام الآن .