رسائل و متابعين …بقلم الأديب د.محمد موسى

آخر الكلام …

“رسائل ومتابعين”

من غرائب الرسائل التي تصلني ، جاءتني رسالة من صديق متابع زاد سنه عن الثمانين أطال الله في عمره ، يحكي لي ما لم يكن في حسابات المصريين من زمن غير بعيد ، قال لماذا جئنا للحياة ، أفقط لنعمرها بالبنين والبنات ثم نكبر فإذا هم قد شغلهم عنا حالهم ، والغريب أن حالنا لم يشغلنا عنهم يوم أن كنا شباباً مثلهم ، فأنا بعد ذهاب سنوات شبابي ، وغمر الشيب رأسي وبعد أن فقدت شريكة حياتي ، وجدتني أجلس في حديقة بيتي وحيداً مع الجرائد وكأني في إنتظار الموت ، فقد تفرق الأبناء الخمسة البنات تزوجن ممن أخذ كل منهما إلى دولة يعمل بها ، والأولاد رحل كل منهم إلى أوربا وإلى كندا للعيش الرغد علماً بأني لم أستجب للعيش في أوربا ، عندما كانت الفرصة جد سانحة لي ورفضت ، متعلقاً بوجود أسرتي في القاهرة وعظام آبائي في أرضها ، وقد طُلب مني إحضار الزوجة والأبناء رفضت أن أخلع زرعة من بيئتها وأزرعها في بيئة جديدة غريبة ، وقررت العيش بجانبهم حتى أتم تربيتهم في البيئة الملائمة لهذا الزرع ، فهل كنت على خطأ يا دكتور ، وهم الذين قد رحبوا بأن يخلعوا ناتج زراعتهم من أرضها لكي تغرس في غير أرضها ، وتنمو في غير بيئتها فهل ستنمو بذات الجودة يا دكتور كما لو كانت تنمو في أرضها ومناخها ، ماذا حدث في التفكير في عقول الأبناء ، وعندما أضيق من وحدتي أذهب إلى إبني الأكبر الذي يعيش في كنَدا ، فأجد أن الأمور لم تتغير فأنا كذلك أجلس في حديقة البيت وحدي فالجميع إنشغلوا بحالهم عني ، فقررت ألا أغادر بيتي إنتظاراً لضيف سوف يأتي ويأخذني إلى حيث ذهبت من شاركتني حياتي على الأرض بحلوها ومُرها ، فما قولك يا دكتور في هذه الأمور ، وأنا أحترم تناولك لمواضيع قد لا يتناولها غيرك ، شكرته على ثقته بي وتمنيت ألا أُحرم من صداقته ووده ، قلت له هذا الموضوع يا صديق يعيشه تقريباً الجميع ، ومن الرسائل التي تأتي لي تقول بعض الأمهات وكذلك بعض الأباء ، أن أولادي كانوا لا ينقطعون عن بيتي ليس وداً فقط بل لحاجتهم إما للمال ، أو أن البنات والأولاد يأتوا لي بالأطفال الصغار لكي أرعاهم حتى يعودوا من أعمالهم ، ويأخذوا أطفالهم وينصرفوا ، والغريب بعد أن تحسن الوضع المالي لهم وبعد أن كبر الأطفال ، لم يعدوا في حاجة لي ، وزيارتهم اليومية أصبحت أسبوعية ثم شهرية ثم إنقطعت تماما إلا في المناسبات ، وأصبح التليفون من النادر أن يرن في بيتي من أحدهم ، ولا يأتي لي إلا من أتصل أنا به وألح عليه أنه قد أوحشني ، والغريب أن كثير من الأبناء ليسوا في بلاد بعيدة كأبنائك ، بل يعيشون ويعملون في ذات المدينة ، بل البعض قد يسكن في ذات الحي ، وأنا شخصياً كنت أريد أن أبني بيتاً صغيراً لي ولأبنائي الإثنين حتى يتزوجا بجانبي ولا يفارقاني وأمهما ، ولكن الأكبر مني سناً والأكثر كذلك مني خبرة ، أقنعني ألا أفعل فكثير من الخلافات تحدث من مثل هذه الأفكار ، ويجب أن أترك كل من الأبناء يعيش بإختياراته لمكان حياته ، وفعلاً إشتريت فيلا لإبني الكبير في منطقة كطلب زوجته حيث أباها وأمها فيلتهما في هذه المنطقة أيضاً وتزوج هناك ويعيش بعيداً عني ، أما الإبن الأصغر فعندما حان ميعاد زواجه لم أكن أملك مالاً يكفي لشراء فيلا له كما أخوه ، ورفضت أن يعيش في مستوى أقل من أخوه ، فتنازلت عن فيلتي الأنيقة ليتزوج فيها ، ورجعت لكي أعيش مع شريكة حياتي في شقتي في روكسي بمصر الجديدة ، التي بدأت فيها حياتي معها من البداية ، ومازلت حتى الأن أعيش فيها ، ولكن كتاباتي تشغلني دائماً وكذلك كتبي ، فالحمد لله أصبح في مكتبتي الأدبية وليست العلمية في تخصصي كُتباً ، متنوعة بين “وقالت لي أمي” ، وآخر “وقال لي أبي” ، وثالث “وقال لي أستاذي” ، إلى جانب كُتباُ في “الشعر” و “القصة” و “آخر الكلام” و “مذكرات أستاذ جامعي” و”أحسن الكلام” ، قصصت لكَ هذا حتى تعلم أنك لست الوحيد الذي يعيش وحيداً ، وكذلك لكي تبحث عن ما يشغلك في أوقاتك والكتاب والقراءة خير ونيس وجليس ، أما الجلوس بحثاً عن زراعات كنت قد أنفقت عمرك في زراعاتها فهذا شيئاً لاطائل من وراءه ، عليك أن تدعو لهم بالتوفيق وبالخير ، وتطلب منهم بود وليس بأمر عندما تسمح ظروفهم ، أن يأتوا لك حتى تتمتع بهم وبأحفادك ، سيدي الفاضل هذه مفردات جديدة لحياة لم نتعود عليها ولم نعش مثلها مع أبائنا وأمهاتنا ، ولكن فرضتها الظروف التي إستجدت في الحياة ، وكذلك الطموح الذي سيطر على النفوس ، وشيء آخر لن أقول عنه إسمه الحقيقي ألا وهو الجحود.

♠ ♠ ♠ ا. د/ محمد موسىcropped-271393498_306322598178178_1774026774041848354_n-1

أضف تعليق